مشاريع بالجملة على طاولة المصادقة بالدار البيضاء.. هل تحكمها التنمية أم الحسابات الانتخابية؟
تعرف مدينة الدار البيضاء في المرحلة الراهنة حركية متصاعدة على مستوى برمجة واعتماد عدد من المشاريع والاتفاقيات التنموية، في سياق يتسم بتسريع وتيرة تفعيل أوراش اجتماعية واقتصادية ظلت مطروحة خلال السنوات الأخيرة.
وتندرج هذه الدينامية ضمن توجه يروم تعزيز العرض التنموي بالعاصمة الاقتصادية، في مقابل تصاعد النقاش السياسي بشأن حصيلة التدبير المحلي، ومدى التقيد بمبادئ العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات والاعتمادات المالية بين مختلف المقاطعات.
وفي هذا الإطار، عقدت اللجان الدائمة التابعة لمجلس عمالة الدار البيضاء، الأسبوع الماضي، اجتماعاً تحضيرياً مطولاً خُصص لدراسة مشروع جدول أعمال الدورة العادية لشهر يونيو 2026، المرتقب انعقادها يوم الإثنين 8 يونيو المقبل.
وانصبت أشغال هذا اللقاء على بحث حزمة من الاتفاقيات ذات الأبعاد التنموية والاجتماعية والرياضية، التي يرتقب عرضها للمصادقة خلال الدورة المقبلة، إلى جانب مناقشة كيفية برمجة الفائض الحقيقي للميزانية وتحديد أولويات توجيهه نحو مشاريع ذات أثر مباشر على المستويين الاجتماعي والمجالي.
وشهد الاجتماع، بحسب المعطيات المتوفرة، نقاشا موسعا بين أعضاء اللجان حول سبل توجيه الاعتمادات المالية نحو مشاريع تعتبر ذات أثر مباشر على الساكنة، خاصة في المجالات الاجتماعية والتأهيل الحضري والبنيات التحتية والخدمات الأساسية، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المدينة على مستوى التوسع العمراني والضغط الديمغرافي وتفاوت مؤشرات التنمية بين عدد من المقاطعات.
واستحوذت نقطة دراسة وبرمجة الفائض الحقيقي للميزانية على الحيز الأكبر من أشغال الاجتماع، بعدما تم الاتفاق على تخصيص اعتمادات مالية مهمة لتمويل مشاريع تستهدف الفئات الاجتماعية الهشة وتحسين البنيات والتجهيزات العمومية. وفي مقدمة هذه المشاريع، برز قرار تخصيص غلاف مالي يناهز ستة ملايين درهم لبناء وتجهيز مركز سوسيو-مهني مندمج لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة بتراب عمالة مقاطعة الحي الحسني، في خطوة تروم دعم الإدماج الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة وتعزيز الخدمات الموجهة إليها.
كما وافقت اللجان الدائمة على تخصيص سبعة ملايين درهم لإصلاح وتأهيل وهيكلة عدد من الأسواق بالعاصمة الاقتصادية، وذلك بهدف تحسين ظروف اشتغال التجار والحرفيين، وإعادة تنظيم الفضاءات التجارية بما يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية والرفع من جاذبية هذه الأسواق، خاصة في عدد من المناطق التي تعاني من تهالك البنيات التجارية وضعف شروط السلامة والتنظيم.
وعلى مستوى تدبير المشاريع المتعثرة، ناقشت اللجان بإسهاب ملف سوق القرب بمنطقة الألفة، حيث تمت المصادقة على إلغاء الاتفاقية السابقة المتعلقة بالمشروع، مقابل اعتماد اتفاقية جديدة معدلة تروم تجاوز الإكراهات الإدارية والتقنية التي حالت دون إخراج المشروع إلى أرض الواقع خلال السنوات الماضية.
ولم يقتصر جدول أعمال الاجتماع على المشاريع الاجتماعية والتجالية فقط، بل امتد ليشمل قطاع الرياضة، من خلال دراسة مشاريع اتفاقيات شراكة جديدة بين مجلس عمالة الدار البيضاء وعدد من الجامعات الملكية المغربية، بهدف دعم وتنمية الرياضات التنافسية بمختلف فروعها داخل تراب العمالة.
وتشمل هذه الاتفاقيات تخصصات ألعاب القوى والركبي والكيك بوكسينغ والمواي طاي وكرة القدم الشاطئية والكرة الحديدية ورياضة الكراكي والشطرنج، وذلك امتدادا لاتفاقيات سابقة صادق عليها المجلس مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بشقيها النسوي والرجالي وكرة القدم داخل القاعة، إلى جانب اتفاقيات أخرى مع جامعتي كرة السلة وكرة اليد.
كما ناقش أعضاء اللجان مشاريع اتفاقيات ذات بعد اجتماعي وصحي، من أبرزها مشروع اتفاقية شراكة لإعادة بناء وتجهيز مستشفى الرازي للأمراض العقلية والنفسية، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز العرض الصحي وتحسين ظروف استقبال المرضى وتجويد الخدمات الطبية المرتبطة بالصحة النفسية والعقلية، التي تشهد ضغطا متزايدا داخل المدينة.
غير أن هذه الدينامية التي يعرفها مجلس العمالة لم تمنع بروز أصوات معارضة تنتقد طريقة تدبير بعض المشاريع والبرامج، حيث كشفت معطيات متطابقة حصلت عليها “الجريدة 24” عن تصاعد حالة من التذمر داخل بعض مكونات المعارضة، بسبب ما وصفته بغياب العدالة المجالية والإنصاف في توزيع المشاريع والاعتمادات بين مختلف المقاطعات.
ووفق المصادر ذاتها، فإن عددا من المنتخبين يطرحون تساؤلات متزايدة بشأن المعايير المعتمدة في برمجة المشاريع وتحديد أولويات الدعم، معتبرين أن بعض المقاطعات تستفيد بشكل متكرر من البرامج والتجهيزات، في مقابل استمرار معاناة مناطق أخرى من خصاص واضح في البنيات والخدمات الأساسية، رغم هشاشة أوضاعها الاجتماعية والحضرية.
وتذهب بعض الأصوات المعارضة إلى اعتبار أن عددا من القرارات المرتبطة باللجان والمشاريع التنموية باتت تخضع لحسابات سياسية وانتخابية ضيقة، أكثر من خضوعها لمعايير التنمية المتوازنة والاستجابة للحاجيات الحقيقية للساكنة، خاصة مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش القديم المتعلق بتوظيف المشاريع العمومية في تعزيز النفوذ السياسي والانتخابي داخل بعض الدوائر والمقاطعات.
كما أثيرت خلال الكواليس، وفق المعطيات ذاتها، انتقادات مرتبطة بما وصفته بعض الأطراف بـ”تمرير” عدد من القرارات والاتفاقيات في غياب مقاربة تشاركية فعلية، وهو ما يطرح، بحسب المتتبعين، علامات استفهام حول مدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصا في ما يتعلق بتدبير المال العام وتحديد أولويات التنمية المحلية.
وفي مقابل هذه الانتقادات، تؤكد مصادر من داخل الأغلبية المسيرة أن المجلس يسعى إلى تسريع إخراج مجموعة من المشاريع الحيوية التي ظلت معلقة لسنوات، معتبرة أن الظرفية الحالية تفرض تسريع وتيرة الإنجاز والاستجابة لانتظارات الساكنة، خاصة في القطاعات الاجتماعية والرياضية والصحية، مع الحرص على ضمان استمرارية الأوراش المفتوحة وتحقيق التوازن الممكن بين مختلف المقاطعات وفق الإمكانيات المالية المتاحة.
ويبدو أن الدورة العادية المرتقبة لمجلس عمالة الدار البيضاء ستكون على موعد مع نقاش سياسي وتنموي ساخن، في ظل تزايد الرهانات المرتبطة بتقييم حصيلة الولاية الحالية، واستمرار الجدل حول أولويات التدبير المحلي، وحدود الالتزام بمبادئ العدالة المجالية والشفافية في توزيع المشاريع العمومية داخل أكبر حاضرة اقتصادية بالمملكة.