مخاوف نقابية من إضعاف دور المنتخبين في مراقبة تنفيذ المشاريع

الكاتب : انس شريد

21 May 2026 - 06:30
الخط :

أثار مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والنقابية، بعدما فجرت مضامينه المتعلقة بإحداث الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التدبير الترابي وحدود اختصاصات المنتخبين داخل الجهات، في وقت تراهن فيه الحكومة على هذه الآلية الجديدة لتسريع وتيرة إنجاز المشاريع وتعزيز النجاعة التدبيرية على المستوى الجهوي.

وشهدت أشغال لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين، مساء أمس الأربعاء، مناقشات مطولة حول مضامين المشروع، وسط تباين في المواقف بين من يعتبر الشركات الجهوية مدخلاً لتحديث تدبير المشاريع الترابية وتجاوز بطء المساطر الإدارية، وبين من يرى فيها توجها قد يفضي إلى تقليص أدوار المجالس المنتخبة وإحداث مراكز قرار موازية تثير إشكالات مرتبطة بالحكامة والرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي هذا السياق، اعتبر نور الدين سليك، رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل بمجلس المستشارين، أن المشروع يفتح المجال أمام تعميم تجارب حضرية وصفها بـ”الناجحة”، مستحضرا التحولات التي عرفتها مدن الرباط وتمارة وسلا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى البنيات التحتية أو المساحات الخضراء أو مشاريع التأهيل الحضري والإنارة العمومية.

وأكد أن ما شهدته العاصمة يمثل تحولا عميقا في المشهد العمراني والخدماتي، معتبرا أن هذه التجارب أبانت عن قدرة الشركات المكلفة بتنفيذ المشاريع على تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين جاذبية المدن.

غير أن سليك شدد، في المقابل، على أن الرهان التنموي لا ينبغي أن يظل محصورا في الجوانب التقنية والعمرانية فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل الأبعاد الاجتماعية والمهنية المرتبطة بأوضاع العمال والمستخدمين، خصوصا الفئات الهشة التي تشتغل داخل الأسواق والمرافق العمومية والخدمات المرتبطة بالجماعات الترابية.

من جهته، ركز المستشار البرلماني خالد السطي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، على الجوانب المؤسساتية والقانونية للمشروع، متسائلا عن الخلفيات الحقيقية وراء توسيع نطاق الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع، وعن حدود تدخل وزارة الداخلية في تدبير هذه البنيات، خاصة فيما يتعلق بتعيين المديرين العامين والمسؤولين التنفيذيين.

واعتبر أن الحفاظ على التوازن بين سلطة الوصاية ومبدأ الشرعية الديمقراطية يقتضي منح رؤساء الجهات دورا اقتراحيا في التعيينات، بما يعزز مكانة المؤسسات المنتخبة داخل منظومة التدبير الترابي.

وأشار السطي إلى أن تجربة تنزيل القانون التنظيمي الحالي أبانت عن عدد من الاختلالات والنقائص التي تستوجب المعالجة، وفي مقدمتها استمرار التفاوتات المجالية بين الجهات، سواء على مستوى العقار أو الاستثمار أو جاذبية المشاريع الاقتصادية، معتبرا أن بعض الجهات ما تزال تعاني صعوبات بنيوية تحول دون تحقيق تنمية متوازنة.

كما أثار تساؤلات بشأن الكيفية العملية لتنزيل آليات التعاقد بين الدولة والجهات، ومدى قدرة هذه الآليات على تحقيق الالتقائية بين السياسات العمومية والبرامج الجهوية.

كما دعا المتحدث ذاته إلى اعتماد مقاربة تشاركية خلال إعداد النظام الأساسي لمستخدمي الشركات الجهوية الجديدة، على غرار المنهجية التي تم اعتمادها في إعداد النظام الأساسي الجديد لموظفي الجماعات الترابية، والذي تم إخراجه بعد مشاورات مع النقابات الممثلة.

وأكد ضرورة حماية المكتسبات الاجتماعية للموظفين والعمال الذين سيتم نقلهم إلى هذه الشركات، مع مراعاة وضعية الملحقين والموضوعين رهن الإشارة، تفاديا لأي ارتباك قانوني أو اجتماعي قد يرافق عملية الانتقال المؤسساتي.

بدوره، عبر لحسن نازيهي، منسق مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، عن تخوفه من التداعيات الاقتصادية والمالية المرتبطة بالإعفاءات الضريبية الممنوحة للشركات الجهوية، معتبرا أن هذه الامتيازات قد تؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص والمنافسة داخل السوق، خصوصا إذا تم توسيع اختصاصات هذه الشركات مستقبلا نحو أنشطة ذات طابع ربحي أو استثماري.

وأوضح أن منح امتيازات جبائية واسعة لبنيات مرتبطة بالجماعات الترابية قد يخلق وضعا غير متوازن مقارنة مع الفاعلين الاقتصاديين الآخرين.

كما حذر نازيهي من انعكاسات هذا التحول المؤسساتي على أوضاع الموارد البشرية، معتبرا أن انتقال الموظفين من وضعية الوظيفة العمومية إلى منطق الشركات يثير مخاوف مرتبطة بالاستقرار المهني والحماية الاجتماعية وآفاق الترقي المهني.

وأكد أن الحفاظ على المكتسبات الحالية لا يكفي وحده لطمأنة المستخدمين، بل يتعين أن يرافق هذا التحول توفير امتيازات وضمانات إضافية تجعل أوضاع العاملين أكثر استقرارا وإنصافا.

ويأتي هذا النقاش في سياق توجه رسمي نحو تعزيز أدوار الجهات وتطوير آليات تنفيذ المشاريع الترابية، ضمن ورش الجهوية المتقدمة الذي تراهن عليه الدولة لتقوية اللاتمركز الإداري وتحقيق تنمية مجالية أكثر نجاعة.

غير أن الأصوات النقابية والبرلمانية التي ارتفعت خلال اجتماع اللجنة عكست استمرار التخوف من أن يؤدي توسيع صلاحيات الشركات الجهوية إلى إضعاف المؤسسات المنتخبة، في ظل غياب ضمانات واضحة تؤطر العلاقة بين القرار السياسي والتدبير التنفيذي، وتحفظ التوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية ومبادئ الرقابة الديمقراطية والحكامة الترابية.

آخر الأخبار