مع اقتراب نهاية الولاية.. غليان سياسي بمقاطعات البيضاء بسبب الصفقات وتدبير النفقات

الكاتب : انس شريد

23 مايو 2026 - 08:30
الخط :

مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية الحالية، تتزايد حدة النقاش داخل عدد من مقاطعات مدينة الدار البيضاء حول ملفات مرتبطة بالحكامة وشفافية تدبير المال العام، في ظل تصاعد مطالب مكونات من المعارضة بالكشف عن تفاصيل عدد من الصفقات العمومية والتحويلات المالية التي أثارت جدلا واسعا خلال الفترة الأخيرة.

ووفقا للمعطيات المتوفرة للجريدة 24 من مصادرها، فإن مقاطعة عين السبع تعيش خلال الأسابيع الأخيرة على وقع توتر سياسي متزايد بسبب الجدل المرتبط بصفقة كراء السيارات الخاصة بالمقاطعة، والتي تحولت إلى محور نقاش ساخن بين مكونات المجلس، خاصة بعد إثارة المعارضة لجملة من التساؤلات المرتبطة بطرق تدبير هذه الصفقة ومدى احترام معايير الحكامة والشفافية في برمجتها وتنفيذها.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن الصفقة المتعلقة بكراء أسطول من السيارات لفائدة المقاطعة، والتي تحمل رقم 01/2025/AAS، بلغت قيمتها المالية الإجمالية حوالي 713 ألفا و940 درهما، وتشمل كراء خمس سيارات نفعية من نوع “فوركونيت”، وأربع سيارات خفيفة من صنف “سيطادين”، إضافة إلى حافلة صغيرة تتسع لـ27 مقعدا، وهو ما فتح الباب أمام موجة من التساؤلات داخل المجلس حول طبيعة الحاجيات الفعلية التي استدعت هذا الحجم من النفقات المرتبطة بالتنقلات واللوجستيك.

وأكدت مصادر “الجريدة 24” أن عددا من مستشاري المعارضة اعتبروا أن من حق الساكنة والرأي العام المحلي الاطلاع على الكيفية التي تمت بها برمجة هذه الصفقة والمعايير المعتمدة في تحديد نوعية وعدد السيارات موضوع الكراء، إلى جانب الكشف عن الجهات والمصالح المستفيدة منها، وما إذا كانت تستعمل حصريا لخدمة المرفق العمومي وقضاء الأغراض الإدارية، أم أنها توظف أحيانا في أنشطة ذات طابع سياسي أو انتخابي.

وأثار مستشارون بالمقاطعة خلال مناقشاتهم الداخلية جملة من النقاط المرتبطة بمدى عرض تفاصيل الصفقة على اللجان المختصة داخل المجلس، واحترام المساطر القانونية المتعلقة بالتداول والمناقشة، فضلا عن آليات التتبع والمراقبة الخاصة باستعمال السيارات والمحروقات والصيانة، في ظل دعوات متكررة إلى ترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وترى المعارضة، وفق المصادر ذاتها، أن دورها الرقابي يفرض عليها إثارة مثل هذه الملفات المرتبطة بتدبير المال العام، خاصة في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بتزايد انتظارات المواطنين بشأن تحسين الخدمات الأساسية والبنيات التحتية المحلية، معتبرة أن الأولوية يجب أن تمنح للمشاريع المرتبطة مباشرة بحاجيات الساكنة بدل التوسع في النفقات المرتبطة بالتجهيزات والكراء.

وفي سياق متصل، تعيش مقاطعة سيدي بليوط بدورها على وقع نقاشات ساخنة بشأن الوضعية المالية والتدبيرية للمقاطعة، بعدما تحولت أشغال دورة ماي الأخيرة إلى مواجهة سياسية مباشرة بين رئاسة المجلس وعدد من أعضاء المعارضة، على خلفية الانتقادات المرتبطة بطرق صرف الاعتمادات المالية وتدبير التحويلات داخل الميزانية.

ووفقا لما توصلت به “الجريدة 24”، فقد عبر عدد من المستشارين خلال الدورة عن تخوفهم من ارتفاع حجم الديون المرتبطة ببعض المرافق والتجهيزات العمومية، والتي تجاوزت، بحسب معطيات تم تداولها خلال الجلسة، ما يفوق مليار و100 مليون سنتيم، في وقت اعتبر فيه أعضاء بالمجلس أن جزءا مهما من هذه الأعباء يتعلق بمرافق وأسواق وبنايات تابعة لمجلس المدينة، وليس من اختصاص المقاطعة وحدها تحمل كافة تكاليفها المالية.

وأوضحت المصادر ذاتها أن عددا من المتدخلين طالبوا المجلس الجماعي للدار البيضاء بتحمل مسؤوليته في هذا الملف، بالنظر إلى استفادته من عائدات الضرائب والرسوم المحلية، معتبرين أن استمرار تحميل المقاطعات مصاريف الماء والكهرباء والصيانة الخاصة ببعض المرافق يشكل ضغطا إضافيا على ميزانياتها المحدودة ويؤثر على قدرتها في تمويل مشاريع القرب والخدمات الأساسية.

كما أثار أعضاء من المعارضة ملف استهلاك الماء والكهرباء بعدد من المرافق العمومية، من بينها أسواق ومساجد، حيث تم تسجيل تساؤلات حول استمرار أداء مصاريف بعض العدادات رغم انتهاء اتفاقيات الاستغلال أو انتقال الاستفادة الفعلية إلى جهات أخرى، وهو ما اعتبره مستشارون مؤشرا على ضعف التتبع الإداري وغياب المراقبة الدقيقة للنفقات.

ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل امتدت إلى طريقة تدبير التحويلات المالية داخل الميزانية، بعدما اعتبر مستشارون أن عددا من الاعتمادات يتم تحويلها بشكل متكرر بين القطاعات دون تقديم توضيحات مفصلة حول خلفيات هذه التحويلات وأهدافها، مؤكدين أن هذا الوضع يساهم في إرباك البرمجة المالية للمقاطعة ويؤثر على تنزيل الأولويات الاجتماعية والتنموية للساكنة.

وفي خضم هذه النقاشات، عبر أعضاء بالمجلس عن استغرابهم من استمرار تخصيص اعتمادات مالية لبعض الأنشطة والتظاهرات، في وقت تعرف فيه عدة أحياء خصاصا واضحا على مستوى البنيات التحتية والخدمات الأساسية، معتبرين أن المواطنين ينتظرون حلولا ملموسة لتحسين ظروف العيش أكثر من انتظارهم لتنظيم أنشطة ظرفية أو مناسباتية.

في المقابل، دافع بعض أعضاء الأغلبية عن أهمية دعم الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية، معتبرين أن تنشيط الحياة المحلية يظل جزءا من اختصاصات المقاطعة، شريطة أن يتم ذلك وفق رؤية واضحة وبرامج مضبوطة تراعي مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الجمعويين.

كما شهدت الدورة نقاشا حادا حول ملف حظيرة السيارات ومصاريف المحروقات والصيانة، بعدما طالب مستشارون بالكشف عن تفاصيل النفقات المرتبطة بتنقلات الآليات والسيارات التابعة للمقاطعة، خاصة في ظل الحديث المتكرر عن محدودية الاعتمادات المالية المتبقية قبل نهاية السنة الجارية.

وتحولت بعض لحظات الدورة إلى تبادل مباشر للاتهامات بين المعارضة ورئاسة المجلس، بعدما اتهم أعضاء من المعارضة المكتب المسير بالاعتماد على منطق الأغلبية العددية لتمرير بعض القرارات دون فتح نقاش موسع بشأن مضامين التقارير المالية والتوصيات الصادرة عن اللجان المختصة، فيما شددت الرئاسة على أن جميع الإجراءات المعتمدة تتم وفق المساطر القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.

كما انتقد مستشارون طريقة إعداد الوثائق المعروضة على اللجنة المالية، معتبرين أن بعض الملفات تم تقديمها دون معطيات دقيقة أو مبررات كافية تتيح للأعضاء تكوين صورة واضحة حول طبيعة النفقات والتحويلات المقترحة، في حين تحدث آخرون عن وجود اختلالات على مستوى التنظيم الإداري والتواصل الداخلي داخل المقاطعة، الأمر الذي ينعكس، بحسب تعبيرهم، على سير عدد من المصالح والمرافق.

ويأتي هذا الجدل المتصاعد داخل عدد من مقاطعات الدار البيضاء في سياق يتسم بارتفاع منسوب النقاش السياسي حول قضايا الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية الحالية، حيث تسعى مختلف الأطراف السياسية إلى إعادة طرح ملفات التدبير المالي والصفقات العمومية في ظل تزايد مطالب المواطنين بتحسين جودة الخدمات العمومية وضمان شفافية أكبر في صرف المال العام وتحديد أولويات الإنفاق المحلي بما يستجيب للحاجيات الفعلية للساكنة.

آخر الأخبار