تصاعد المخاوف السياسية من "شراء الأصوات" مع اقتراب انتخابات 2026
يشهد المشهد السياسي المغربي خلال المرحلة الحالية تصاعدًا لافتًا في حدة النقاش العمومي المرتبط بنزاهة الاستحقاقات التشريعية المرتقبة، في ظل تزايد المخاوف من عودة مظاهر الفساد الانتخابي إلى الواجهة، وعلى رأسها ظاهرة شراء الأصوات التي ما تزال تثير جدلا واسعًا داخل الأوساط الحزبية والحقوقية والمدنية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر المقبل، تتجه الأنظار إلى طبيعة المناخ السياسي الذي ستُجرى فيه هذه المحطة، باعتبارها اختبارًا جديدًا لقدرة المؤسسات والأحزاب على تعزيز الثقة في المسار الديمقراطي وترسيخ مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
ويأتي هذا النقاش في سياق مرحلة سياسية توصف بالحساسة، بالنظر إلى حجم الانتظارات المجتمعية المرتبطة بتجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام مشاركة أوسع لفئات الشباب والنساء في تدبير الشأن العام، إلى جانب الدعوات المتكررة إلى تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما تتقاطع هذه التحولات مع التوجيهات الملكية التي شدد فيها الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة على أهمية ضمان نزاهة العمليات الانتخابية باعتبارها ركيزة أساسية لبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة، وتعزيز مصداقية العمل السياسي في البلاد.
وخلال الفترة الأخيرة، عادت مسألة بيع الأصوات واستعمال المال في الحملات الانتخابية إلى صدارة النقاش السياسي، خاصة مع تكثيف الأحزاب السياسية لقاءاتها التواصلية استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.
وأجمع عدد من الفاعلين السياسيين على ضرورة تشديد المراقبة القانونية والرقابية على الجرائم الانتخابية، مع المطالبة بإقرار عقوبات أكثر صرامة في حق المتورطين في قضايا الفساد الانتخابي واستغلال النفوذ والمال لاستمالة الناخبين.
وفي هذا السياق، برزت دعوات متزايدة لمنع الترشح أمام الأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات فساد أو سبق أن صدرت في حقهم أحكام قضائية مرتبطة بالمال العام أو التلاعب بالعملية الانتخابية، وذلك في محاولة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي وتقوية صورة المؤسسات المنتخبة لدى الرأي العام.
وترى عدد من الأحزاب خاصة المصطفة في صفوف المعارضة، أن استمرار بعض الوجوه المثيرة للجدل في التنافس الانتخابي يساهم في تعميق أزمة الثقة ويؤثر سلبًا على نسب المشاركة السياسية، خصوصًا في صفوف الشباب.
وفي خضم هذا الجدل، كثفت أحزاب المعارضة لقاءاتها الميدانية والتواصلية مع المواطنين، مركزة في خطاباتها على التحذير من خطورة بيع الأصوات مقابل امتيازات ظرفية أو مساعدات مالية محدودة، مع الدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة المكثفة في عملية التصويت باعتبارها وسيلة للتغيير الديمقراطي.
وتعتبر هذه الأحزاب أن مواجهة ظاهرة الفساد الانتخابي لا يمكن أن تتحقق فقط عبر القوانين والزجر، بل تحتاج أيضًا إلى رفع مستوى الوعي السياسي لدى الناخبين وتعزيز ثقافة المشاركة المواطنة.
وفي هذا الإطار، دعا محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، المواطنين إلى تحمل مسؤوليتهم السياسية خلال الانتخابات المقبلة، محذرًا من مغبة بيع الأصوات مقابل إغراءات مالية أو مساعدات عينية ظرفية.
وقال أوزين خلال لقاء تواصلي نظم بالرباط لتقديم الخطوط العريضة لما وصفه بـ”التعاقد الحركي”، إن المواطن مطالب اليوم بالحفاظ على صوته وعدم التفريط فيه مقابل “قفة أو 200 درهم”، معتبرًا أن مثل هذه السلوكيات تؤدي إلى رهن مستقبل الأسر والمجتمع لخمس سنوات كاملة دون تحقيق أي تغيير حقيقي في الواقع المعيشي للمواطنين.
وأكد الأمين العام لحزب الحركة الشعبية أن الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة يتمثل في إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسي، مشيرًا إلى أن الحزب اختار تقديم “تعاقد سياسي” بدل برنامج انتخابي تقليدي، في محاولة لتجاوز ما وصفه بالفجوة الكبيرة بين الوعود الانتخابية السابقة وما تحقق فعليًا على أرض الواقع.
وأوضح أن عددا من البرامج التي قدمتها الأحزاب خلال الانتخابات الماضية اعتمدت على أرقام ومؤشرات ضخمة دون توضيح مصادر التمويل أو الإمكانيات الواقعية لتنفيذ تلك الالتزامات.
وأضاف أوزين أن التجارب السياسية السابقة أظهرت وجود هوة واسعة بين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية، وهو ما ساهم في تنامي الشعور بالإحباط لدى فئات واسعة من المواطنين، داعيًا إلى اعتماد مقاربة سياسية تقوم على الوضوح والالتزامات القابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء بالشعارات الكبرى والوعود الفضفاضة.
كما شدد على أن التعاقد الذي يقترحه حزبه يرتكز على إصلاحات عملية وإجراءات دقيقة تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة وإعادة الاعتبار للعمل السياسي.
ومع استمرار الاستعدادات الحزبية للانتخابات التشريعية المقبلة، يبدو أن ملف نزاهة العملية الانتخابية سيظل حاضرًا بقوة في النقاش العمومي خلال الأشهر القادمة، وسط رهانات متزايدة على قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات المعنية على تنظيم انتخابات تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي بالمغرب.