واقع الصحة بالمغرب.. نواب يكشفون اختلالات حادة والوزارة تدافع بالأرقام
في الوقت الذي تراهن فيه الدولة على إنجاح ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع الولوج إلى الخدمات العلاجية، يتواصل الجدل داخل المغرب بشأن واقع المنظومة الصحية الوطنية، وسط تصاعد الانتقادات المرتبطة بالفوارق المجالية واستمرار عدد من الاختلالات التي تواجه المواطنين في العديد من الأقاليم والمناطق، وهو ما أعاد ملف الصحة إلى صدارة النقاش السياسي والبرلماني.
وشكلت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة اليوم الاثنين، مناسبة لإثارة عدد من الملفات المرتبطة بالقطاع الصحي، حيث وجه برلمانيون من المعارضة والأغلبية انتقادات مباشرة إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بشأن أوضاع مؤسسات صحية ومشاريع استشفائية متعثرة، معتبرين أن جزءا من الوعود المعلنة لم ينعكس بعد بالشكل المطلوب على الواقع الميداني، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية التي ما تزال تواجه خصاصا في الموارد البشرية والتجهيزات الأساسية
وفي هذا السياق، عبرت النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية، عائشة الكرجي عن استيائها من الوضع الذي تعرفه مجموعة من المؤسسات الصحية بمنطقة الغرب، متسائلة عن مدى رضا الوزارة عن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في عدد من المراكز والمستوصفات الصحية.
وأكدت أن المعطيات التي سبق أن رفعتها إلى الوزارة بشأن أوضاع بعض المرافق الصحية لم تفض، بحسب تعبيرها، إلى حلول عملية تنعكس على حياة المواطنين اليومية.
وسلطت الضوء على الوضعية التي يعيشها مستشفى الزبير السكيرج، الذي يقدم خدماته لسكان أكثر من ثلاث عشرة جماعة قروية، مشيرة إلى استمرار الخصاص في عدد من التخصصات الطبية الحيوية، وفي مقدمتها الجراحة والتوليد، فضلا عن محدودية التجهيزات الطبية الضرورية.
وأوضحت أن عددا من الجماعات، من بينها عرباوة وواد المخازين وقرية بن عودة وبني ملك وسيدي محمد الحمر، تضطر إلى توجيه المرضى نحو مدينة القنيطرة للاستفادة من خدمات صحية غير متوفرة محليا، ما يزيد من معاناة الأسر ويثقل كاهل المرضى وتكاليف التنقل والعلاج.
من جانبه، أثار النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، رحو لهيلع ملف مشروع مستشفى القرب بمدينة الرماني، معربا عن قلقه من استمرار تعثر إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ رغم استكمال الإجراءات المرتبطة بتوفير العقار المخصص له. وأوضح أن مختلف المتدخلين المحليين، بتنسيق مع السلطات الإقليمية واللجنة التقنية المختصة، عملوا على توفير الوعاء العقاري المطلوب ورفع الملف إلى الجهات المركزية المعنية، غير أن المشروع ما يزال متوقفا دون تسجيل تقدم ملموس.
وهو ما يثير، وفق تعبيره، تساؤلات لدى الساكنة حول مآل هذا الورش الذي ينتظر أن يساهم في تعزيز العرض الصحي وتقريب الخدمات الطبية من المواطنين.
بدوره، تطرق النائب البرلماني عن نفس الحزب عبد الفتاح عمار إلى عدد من الإشكالات المرتبطة بالخدمات الصحية بإقليم سيدي بنور، معتبرا أن المؤشرات المعلنة بشأن تعميم المراكز الصحية لا تعكس دائما الواقع الذي تعيشه بعض المناطق.
وأشار إلى أن عددا من المشاريع والاتفاقيات المبرمة خلال السنوات الماضية لم يتم تفعيلها بالشكل المأمول، الأمر الذي أدى إلى استمرار الخصاص في البنيات الصحية وتأخر إنجاز مشاريع كانت تراهن عليها الساكنة لتحسين ظروف الولوج إلى العلاج.
وأكد النائب البرلماني أن عددا من الجماعات الترابية، من بينها جماعة أولاد عمران، ما تزال تعاني من محدودية الخدمات الصحية ونقص الأطر الطبية والتجهيزات الأساسية، مشددا على أن الحق في الصحة يعد من الحقوق الدستورية التي ينبغي ضمانها لجميع المواطنين دون تمييز مجالي أو اعتبارات أخرى.
كما دعا إلى اعتماد تحفيزات إضافية لفائدة الأطباء والأطر الصحية العاملة بالمناطق النائية والقروية، بهدف تشجيع الاستقرار المهني وتحسين مستوى التغطية الصحية بهذه المناطق.
في المقابل، دافع وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي عن حصيلة الوزارة، مؤكدا أن إصلاح المنظومة الصحية دخل مرحلة التنفيذ العملي من خلال مخطط استعجالي شامل انطلق منذ أكتوبر 2025 ويستهدف تأهيل مصالح المستعجلات وتوسيع القدرة الاستشفائية وتحسين ظروف استقبال المرضى وتعزيز آليات الإنصات لشكايات المواطنين.
وأوضح الوزير أن المخطط يعتمد على مجموعة من المحاور الأساسية، من بينها إعادة تنظيم مصالح المستعجلات وفق نظام حديث للفرز حسب درجة خطورة الحالات، وإحداث نموذج جهوي لخدمة المساعدة الطبية الاستعجالية، إلى جانب اعتماد منظومة رقمية لتتبع الحالات الصحية بشكل فوري.
وأضاف أن هذه الإجراءات مكنت من توجيه 72 في المائة من الحالات الاستعجالية على مستوى الجهة النموذجية التي شملها المشروع.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الوزارة عززت الموارد البشرية المخصصة لمصالح المستعجلات عبر تعبئة 531 مهنيا إضافيا، من بينهم 480 إطارا تم توظيفهم حديثا و51 إطارا أعيد انتشارهم داخل المؤسسات الصحية، وذلك بهدف رفع مستوى التكفل بالحالات المستعجلة وتقليص الضغط المسجل على عدد من المستشفيات.
وكشف الوزير عن تخصيص استثمارات مالية مهمة لتأهيل القطاع، شملت غلافا ماليا يناهز 177.3 مليون درهم لإعادة تأهيل مصالح المستعجلات، إضافة إلى 152.8 مليون درهم لاقتناء التجهيزات والمعدات الطبية.
وفي ما يتعلق بالبنية الاستشفائية، أوضح التهراوي أن الوزارة تمكنت منذ أكتوبر الماضي من إضافة 1717 سريرا جديدا بعد افتتاح وتشغيل 11 مؤسسة صحية جديدة، وهو ما ساهم في توسيع العرض الاستشفائي لفائدة ما يقارب 14 مليون مواطن. كما تم خلال سنة 2026 استكمال ثلاثة مشاريع استشفائية جديدة وفرت 285 سريرا إضافيا، في وقت تتواصل فيه أشغال ومشاريع أخرى من المرتقب أن توفر نحو 2900 سرير إضافي قبل نهاية الربع الثالث من السنة الجارية.
وأكد الوزير أن تحسين تجربة المرتفقين داخل المؤسسات الصحية يشكل أحد أبرز أهداف الإصلاح الجاري، مشيرا إلى تخصيص أكثر من 900 مهني صحي لتأطير خدمات الاستقبال والتوجيه، فضلا عن تعيين 70 مساعدا طبيا اجتماعيا جديدا، ما رفع العدد الإجمالي لهذه الفئة إلى 529 مساعدا على المستوى الوطني.
كما تم إحداث، حسب الوزير، 182 وحدة للمساعدة الطبية الاجتماعية بهدف تسهيل ولوج المرضى إلى الخدمات الصحية وتوفير المواكبة اللازمة لهم داخل المؤسسات الاستشفائية.
وفي إطار تعزيز التفاعل مع المواطنين، أعلنت الوزارة عن إطلاق منصة رقمية وطنية لتلقي وتتبع الشكايات الصحية مدعومة بمركز وطني للاستماع، حيث استقبلت خلال شهر ونصف أكثر من 4200 شكاية، تمت معالجة ما يزيد على 3000 منها بنسبة بلغت 73 في المائة، وفق المعطيات الرسمية المقدمة خلال الجلسة.
ويعكس النقاش البرلماني المتواصل حول قطاع الصحة حجم التحديات التي ما تزال تواجه المنظومة الصحية الوطنية رغم الاستثمارات والإصلاحات المعلنة، كما يبرز حجم الانتظارات المجتمعية المرتبطة بتحقيق عدالة مجالية أكبر وتحسين جودة الخدمات الصحية وضمان استفادة مختلف الفئات والمناطق من ثمار ورش الإصلاح الذي يعد أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي تشهدها المملكة خلال السنوات الأخيرة.