حينما تمتزج الكحول بـ"الأدسنس" لتدمير الطفولة
أمينة المستاري
صدمة كبيرة تلقاها المجتمع المغربي خلال أولى أيام عيد الأضحى...ظهور فيديو لطفل صغير لم يتجاوز 6 سنوات يتجرع مشروب كحولي، قدمه له وقام بتصويره أقرب الناس إليه : أعمامه الثلاث .
هي ليست مجرد سقطة عابرة أو "مزحة" طائشة، بل هو تجسيد حي لانفلات أخلاقي و"سعار رقمي" أصاب العديدين منهم آباء وأقرباء من صناع المحتوى.
فلم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتسلية أوتبادل المعارف، بل تحولت إلى سوق مفتوحة للمزايدات والإفلاس "الأخلاقي"، يباع كل شيء مقابل "اللايك" و"الترند" ويقدم كل واحد جملة من أفكاره المسمومة، أو أفكار لا يقتنع بها شخصيا، هي فقط من أجل رفع نسبة المشاهدة والحصول على متابعين دائمين يمكنهم أن يحققوا له قناعة بأهميته، بل إن هذه المنصات أصبحت وسيلة للتسول والاحتيال على المشاهد... لكن أكثر جوانب هذه السوق قتامة، المتاجرة ب"البراءة"، و سعي البعض المحموم وراء "البوز" الرخيص، لدرجة دفع طفل بريء لا يعي من أمر الدنيا شيئا إلى شرب الكحول أمام كاميرا هاتف، ويتحول من كائن بشري ذي كرامة وفطرة سليمة إلى مجرد "أداة" أو "سلعة" وإحداث صدمة عنيفة لدى المتلقي، لأن خوارزميات المنصات الرقمية لا تكافئ المحتوى الهادف بقدر ما تكافئ المحتوى الذي يثير الجدل والغضب...هي معادلة مشوهة بكل المعايير، والغضب يعني تعليقات أكثر ومشاركات أوسع وبالتالي تدفق سريع لأرباح "الأدسنس وهدايا البث المباشر، لكن الأخطر في هذا الوضع ظهور فيديوهات أخرى من هذا القبيل، فأصحابها سيعتقدون أنهم نجوم في سماء "الترند"، مما قد يشجعهم على تكرار التجربة وبشكل أكثر جرأة...هذا الانتظار السلبي يهدد بتحويل السلوك الشاذ إلى ظاهرة عامة، ويساهم في التطبيع مع الانتهاكات ضد الأطفال تحت لافتة " صناعة المحتوى الترفيهي".
ظهور الطفل وهو يتجرع قنينة الخمر هو اغتيال معنوي ونفسي مكتمل الأركان، فهذا الطفل سيحمل بصمة رقمية سوداء طيلة حياته، ستلاحقه في مراهقته ومستقبله المهني والاجتماعي، وسيعرضه للتنمر والاضطراب النفسي وتدمير تقديره لذاته ، لا لسبب سوى " فيديو يظهر فيه وهو يمثل سياق " بالغ منحرف".
فلم يعد الاستنكار خيارا وحيدا، بل يتطلب مواجهة مافيا "الأدسنس" التي تتغذى على مآسي الناس وبراءة الأطفال واستغفال الآخرين.
كيف ذلك؟ يرى بعض رجال القانون ضرورة تفعيل قوانين الجرائم الإلكترونية وقوانين حماية الأطفال لملاحقة هؤلاء ومحاكمتهم بتهمة استغلال القاصرين وربما محاسبة الآباء الذين يثبت تورطهم في بيع كرامة أبنائهم، إضافة إلى مسؤولية المجتمع المشاهد بالأساس، وهي الجبهة الأهم التي تعتبر وقود "البوز"، فالمقاطعة التامة هي السلاح الأقوى لمثل تلك الفيديوهات والامتناع عن كتابة التعليقات ولو كانت الغاضبة، لأن "القتل بالتجاهل" والتبليغ الصامت هو السبيل الوحيد للحد من هذه السلوكات الاجرامية في حق الطفل بحرمانه من المداخيل و"البوز"، فما يتعرض له الطفل يدمر نفسيته ولا يمكن استعادتها ولو بالملايين، لذا تصبح حمايتها من أنياب صناع "البوز" معركة وعي وأخلاق.