باب الكيسة...من حصن عسكري إلى فضاء للذاكرة الشعبية
أمينة المستاري
يختزن باب الكيسة بفاس حكاية مدينة كاملة، تتقاطع فيها السياسة بالحرب، والعلم بالحكاية الشعبية.
كان يعرف أولا بـ"باب حصن سعدون"، قبل أن يتحول اسمه -كما يروي المؤرخون- إلى "عجيسة" نسبة إلى الأمير المغراوي عجيسة، فدولة المغراويين بسطت نفوذها على أجزاء واسعة من المغرب بين القرنين العاشر والحادي عشر، وكانت لاعبا سياسيا في صراع إقليمي معقد بين الأمويين والفاطميين.
لكن اسم الباب تغير، وتعددت الروايات حول ظروفه، فبعضها ينسبه إلى صراع دموي بين الأميرين المغراويين فتوح وأخيه عجيسة بعد استيلاء الأول على عدوة القرويين، فيما تحكي روايات أخرى أن الخليفة محمد الناصر الموحدي هو من أمر بتغيير اسم الباب فغيره الناس الى اسم الكيسة، فيما تؤكد رواية أن كثرة استعمال الاسم تخفف وأصبح ينطق بباب الكيسة.
شيد عجيسة حصنا دفاعيا عند هذا الباب، أسوة بأخيه فتوح الذي أقام حصنه عند باب الفتوح، في سياق تنافس عسكري، وبالضبط في رأس عقبة السعتر"عقبة الحفارين حاليا"، التي تربط بين الكيسة وساحة العشابين المتفرعة منها الطرق نحو الصاغة والجوطية والعطارين وجامع القرويين ونحو واد زحون.
لم تقتصر أهمية الباب على رمزيته التاريخية، بل كان منفذا استراتيجيا نحو الشمال الشرقي وأسواق المدينة، ما جعله محط عناية السلاطين، فقد جدده محمد الناصر الموحدي بترميمه وتجديده وبقي على ما بناه عليه إلى أن تهدم وتخرب أكثره مع مر السنين، فتم تجديده بأكمله، ما عدا القوس "البراني" بأمر من السلطان يعقوب بن عبدالحق المريني، والسلطان المريني أبو يوسف يعقوب، ليظل شاهدا على تعاقب الدول وتغير الأزمنة.
حول الباب، تشكلت حياة علمية وثقافية نابضة، وترتبط به قصة الوزير الشاعر والقاضي مالك بن المرحل، الذي ارتبط اسمه بقصة طريفة، إذ يروى أنه هرب ليلة عرسه من زوجة لم ترق له، وقضى ليلته عند الباب، ثم خلد الحادثة في أبيات شعرية ساخرة.
كما ظل المكان محتفظا بطابعه الدفاعي، قبل أن يتحول في فترة الحماية الفرنسية إلى مركز للشرطة وجباية الضرائب حتى أواخر ثمانينات القرن الماضي.
وكغيره من أبواب فاس الكبرى، يحتضن الفضاء المحيط بباب الكيسة سقاية بديعة، ومسجدا، ومدرسة للطلبة، علما أن المكان شهد إصلاحات متعاقبة، من العهد المريني إلى العلوي، في انسجام مع تقاليد العمران المغربي الذي يجعل من الباب نقطة حياة لا مجرد مدخل.
لكن روح الباب الحقيقية تجلت في ساحته الخارجية، التي كانت مسرحا للفرجة الشعبية وحلقات الحكواتيين إلى ما بعد الاستقلال. هناك، كان القصاصون ينسجون حكايات عنترة وسيف بن ذي يزن وألف ليلة وليلة، في طقس يومي يجمع الناس بين العصر والمغرب، ويمنح المكان بعدا أسطوريا.
وإلى اليوم، ما زال باب الكيسة يطل على سهول زلاغ ومدافن بني مرين، ويجاور فضاءات صورت فيها مشاهد سينمائية، محتفظا بسحره التاريخي.
هو ليس مجرد باب من أبواب فاس، بل صفحة مفتوحة من تاريخها، تختلط فيها الدماء بالشعر، والتحصين بالحكاية، والسلطة بالذاكرة الشعبية.