من التحالفات إلى المنصات الرقمية.. الأحزاب تراهن على مبادرات جديدة لاستمالة الناخبين
في الوقت الذي تقترب فيه الاستحقاقات التشريعية المقررة خلال شهر شتنبر 2026، تشهد الساحة السياسية المغربية حركية متسارعة تعكس حجم الرهانات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، سواء على مستوى التنافس الحزبي أو في ما يتعلق بمحاولات استقطاب الناخبين واستعادة الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
وتأتي هذه الدينامية في سياق يتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تدفع مختلف الفاعلين السياسيين إلى البحث عن صيغ جديدة للتواصل مع المواطنين وإقناعهم بالمشاركة في العملية الانتخابية.
وتكتسب الانتخابات المقبلة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الظرفية الوطنية التي يعيشها المغرب، حيث تتقاطع ملفات التنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية والتشغيل والقدرة الشرائية مع النقاش السياسي الدائر حول تجديد النخب وتعزيز المشاركة الديمقراطية.
كما تبرز هذه الاستحقاقات باعتبارها محطة جديدة لاختبار قدرة الأحزاب السياسية على تقديم تصورات وبرامج تستجيب لتطلعات المواطنين، في ظل تنامي مطالب فئات واسعة بربط المسؤولية بالمحاسبة وتحسين أداء المؤسسات المنتخبة.
وفي خضم الاستعدادات المبكرة للانتخابات، اتجهت أحزاب المعارضة إلى تبني مبادرات وآليات جديدة تهدف إلى تعزيز حضورها السياسي ومواجهة الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية، التي تسعى بدورها إلى الحفاظ على مواقعها وتعزيز مكاسبها الانتخابية.
ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لدى مختلف الفاعلين السياسيين للتحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، خاصة على مستوى أنماط التواصل والتفاعل السياسي لدى فئة الشباب.
وفي هذا السياق، أعلن كل من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، اليوم الأربعاء، عن تشكيل تحالف انتخابي استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقبلة، في خطوة تروم توحيد الجهود وتعزيز الحضور اليساري داخل المؤسسات المنتخبة.
ويرى الحزبان أن التقارب بين مكونات اليسار من شأنه أن يوفر إطاراً سياسياً أكثر قدرة على الدفاع عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل محور اهتمام جزء من الناخبين، خاصة في ظل المنافسة القوية المنتظرة خلال الانتخابات المقبلة.
وبالتوازي مع خيار التحالفات، اختار حزب العدالة والتنمية نهج مقاربة مختلفة تقوم على توسيع دائرة المشاركة في إعداد برنامجه الانتخابي، عبر إطلاق منصة رقمية مخصصة لتلقي مقترحات المواطنين وآرائهم بشأن الأولويات والسياسات العمومية.
ويأتي هذا التوجه في إطار مساعي الحزب لإعادة بناء حضوره السياسي بعد التراجع الذي عرفه خلال الانتخابات السابقة، من خلال تقديم نفسه كفاعل منفتح على النقاش العمومي وقادر على استيعاب انتظارات مختلف الفئات الاجتماعية.
ويعول الحزب على هذه المبادرة الرقمية من أجل إشراك المواطنين بشكل مباشر في صياغة التصورات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، في محاولة للانتقال من النماذج التقليدية المعتمدة في إعداد البرامج الانتخابية إلى آليات أكثر تفاعلاً تستند إلى مساهمة الناخبين واقتراحاتهم.
كما يسعى إلى استثمار الفضاء الرقمي باعتباره مجالاً أساسياً للتواصل السياسي والتعبئة الانتخابية، خاصة لدى فئة الشباب التي أصبحت تشكل نسبة مهمة من الكتلة الناخبة.
من جهته، اختار حزب الحركة الشعبية تقديم تصور جديد للعلاقة مع الناخبين من خلال ما أطلق عليه اسم "التعاقد الحركي"، باعتباره بديلاً عن البرنامج الانتخابي بصيغته التقليدية.
ويقوم هذا التصور على تحديد مجموعة من الالتزامات التي يعتبر الحزب أنها تعكس أولويات المواطنين وانتظاراتهم خلال المرحلة المقبلة، مع التركيز على قضايا ترتبط بالقدرة الشرائية والصحة والتعليم والتشغيل والسكن والتنمية الترابية والتحديات البيئية والمناخية.
وفي المقابل، تواصل أحزاب الأغلبية الحكومية تكثيف أنشطتها الميدانية والتواصلية عبر تنظيم لقاءات جهوية وإقليمية وندوات موضوعاتية وخرجات إعلامية، بالتزامن مع إعادة فتح باب التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة.
وتعتبر هذه الأحزاب أن المرحلة الحالية تشكل فرصة مهمة لتعزيز التواصل المباشر مع المواطنين، خاصة الشباب الذين يمثلون أحد أبرز الرهانات الانتخابية خلال الاستحقاقات المقبلة.
وفي هذا الإطار، أطلقت منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة مبادرة "أنا كاين"، وهي حملة تحسيسية تستهدف تشجيع المواطنين، ولاسيما الشباب، على التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة في الاستحقاقات المقبلة. وتركز المبادرة على إبراز أهمية الانخراط في الحياة العامة باعتباره آلية للمساهمة في صنع القرار وتعزيز المسار الديمقراطي، مع اعتماد خطاب تواصلي موجه إلى الأجيال الجديدة وقريب من اهتماماتها اليومية.
كما انخرطت باقي مكونات الأغلبية الحكومية في حملات مماثلة تروم رفع مستوى الوعي بأهمية التسجيل والمشاركة الانتخابية، من بينها المبادرة التي أطلقتها الشبيبة الاستقلالية تحت شعار "جا الوقت باش نشاركو"، والتي تراهن على تعبئة مناضلي الحزب وشبيبته من أجل توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتحفيز الشباب على ممارسة حقهم الدستوري في اختيار ممثليهم داخل المؤسسات المنتخبة.
وتعكس هذه التحركات المتزامنة إدراكا متناميا لدى الأحزاب السياسية بمختلف مواقعها لأهمية استعادة ثقة الشباب في العمل السياسي، خاصة في ظل استمرار النقاش حول نسب المشاركة الانتخابية ومستوى التفاعل مع الاستحقاقات الديمقراطية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو مختلف الأحزاب أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تحويل هذه المبادرات والشعارات إلى مشاريع سياسية وبرامج عملية قادرة على إقناع المواطنين.
وتشير المؤشرات الأولية إلى أن انتخابات 2026 قد تشهد حضوراً أكبر للأدوات الرقمية والمبادرات التشاركية مقارنة بالمحطات السابقة، في ظل سعي الأحزاب إلى مواكبة التحولات المجتمعية والتكنولوجية التي غيرت طبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والمواطن.
وبين رهان المعارضة على تجديد أدوات المواجهة السياسية، ومساعي الأغلبية إلى الحفاظ على موقعها عبر تعبئة الناخبين وتوسيع قاعدة المشاركة، تتجه الأنظار إلى الأشهر المقبلة التي ستكشف مدى قدرة هذه المبادرات على التأثير في المشهد الانتخابي وإعادة تشكيل موازين القوى السياسية بالمملكة.