من المعارضة إلى الأغلبية.. هل أُبعد ملف "الفراقشية" عن مسار المساءلة البرلمانية؟

الكاتب : انس شريد

04 يونيو 2026 - 10:30
الخط :

عاد الجدل حول ملفات الدعم العمومي وصفقات استيراد الأغنام إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني بالمغرب، في ظل استمرار السجال بشأن مدى إمكانية فتح تحقيق مؤسساتي في عدد من الملفات التي أثارت خلال الأشهر الماضية نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والإعلامية، تزامنا مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بارتفاع أسعار الأضاحي واستمرار الضغوط المعيشية التي تواجهها فئات واسعة من المواطنين.

وفي الوقت الذي عادت فيه مطالب الكشف عن مآل الأموال العمومية المخصصة لدعم بعض القطاعات إلى الواجهة، برزت تساؤلات جديدة حول مستقبل الدعوات الرامية إلى إحداث لجنة لتقصي الحقائق بمجلس المستشارين للتحقيق في المعطيات المتداولة بشأن صفقات الدعم والجهات المستفيدة منها، خاصة بعد تداول معلومات متباينة حول وجود تحركات برلمانية لتجميع التوقيعات الضرورية لإطلاق هذه المبادرة الرقابية.

وخلال الفترة الأخيرة، تحول ملف ما بات يعرف في الخطاب السياسي والإعلامي بملف "الفراقشية" إلى أحد أبرز عناوين الجدل العمومي، بعدما ربطت أحزاب وهيئات سياسية بين الدعم الموجه لقطاع الأغنام وبين استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق، معتبرة أن جزءاً من الرأي العام لا يزال يطالب بتوضيحات إضافية بشأن نتائج البرامج الحكومية التي رافقت تدبير تداعيات الجفاف وارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج.

وزادت حدة النقاش مع انتشار معطيات على منصات التواصل الاجتماعي تحدثت عن وجود مبادرة داخل مجلس المستشارين لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول المضاربات في سوق الأغنام والملفات المرتبطة بالدعم العمومي، بل ذهبت بعض المنشورات إلى الحديث عن رفض هذه المبادرة من قبل عدد من الفرق والمجموعات البرلمانية، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من ردود الفعل والتوضيحات.

وفي خضم هذا الجدل، خرج خالد السطي، المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، لينفي بشكل قاطع وجود أي مبادرة رسمية جرى إطلاقها داخل المجلس من أجل جمع التوقيعات الخاصة بإحداث لجنة لتقصي الحقائق.

وأوضح أن المعطيات المتوفرة لديه لا تشير إلى تقدم أي فريق أو مجموعة برلمانية بطلب من هذا النوع، كما أكد عدم التواصل مع مستشاري الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بشأن التوقيع على أي مبادرة مرتبطة بهذا الملف.

ورغم نفيه وجود خطوات عملية في هذا الاتجاه، شدد السطي على أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يظل من بين الآليات الرقابية الدستورية المتاحة أمام البرلمان، مؤكداً أن أعضاء نقابته داخل مجلس المستشارين سيدعمون أي مبادرة رسمية تستوفي شروطها القانونية والتنظيمية إذا ما تم طرحها مستقبلاً.

ولم يقتصر الأمر على هذا التوضيح، إذ تواصلت عمليات النفي من داخل المؤسسة التشريعية، بعدما أكدت هناء بنخير، عضو فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمجلس المستشارين ونائبة رئيس لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية، أن الأخبار المتداولة بشأن تصويت المجلس على رفض تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول المضاربات في سوق الأغنام لا أساس لها من الصحة.

وأوضحت بنخير أن مسطرة إحداث لجان تقصي الحقائق مؤطرة بمقتضيات دستورية وقانونية دقيقة، ولا تتم عبر عرض المبادرات على الفرق والمجموعات البرلمانية للتصويت بالقبول أو الرفض كما يتم الترويج لذلك.

كما أكدت أنه لم يجر أي تصويت داخل مجلس المستشارين بشأن هذا الموضوع، مشددة على أهمية تحري الدقة في نقل المعطيات المرتبطة بعمل المؤسسات الدستورية.

وأكدت المستشارة البرلمانية أن الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين ومراقبة تدبير الملفات ذات الارتباط المباشر بالمعيش اليومي للأسر المغربية يظل من صميم الأدوار الرقابية للمؤسسة التشريعية، غير أن ذلك يجب أن يتم في إطار احترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لعمل البرلمان.

ومن جهته، دخل الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية على خط الجدل الدائر، حيث أصدر رئيس الفريق يوسف أيدي توضيحات أكد من خلالها أن المزاعم المتعلقة بقيام فرق ومجموعات مجلس المستشارين بالتصويت ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لا تستند إلى أي أساس قانوني أو دستوري، معتبراً أن ما يتم تداوله بهذا الخصوص يدخل في إطار نشر معطيات مغلوطة بشأن كيفية اشتغال المؤسسة التشريعية.

وأوضح أيدي أن القانون التنظيمي رقم 085.13 المتعلق بتسيير اللجان النيابية لتقصي الحقائق، إلى جانب مقتضيات الفصل 67 من الدستور والنظام الداخلي لمجلس المستشارين، يحدد بشكل واضح مسطرة إحداث هذه اللجان، والتي لا تتضمن في أي مرحلة من مراحلها عرض الطلب على الفرق البرلمانية للتصويت عليه كما تروج بعض الصفحات والمنشورات المتداولة.

وأضاف أن الطلب المتعلق بإحداث لجنة لتقصي الحقائق يودع لدى رئاسة المجلس وفق الشروط القانونية المحددة، قبل المرور إلى باقي المراحل الإجرائية المنصوص عليها، الأمر الذي يجعل الحديث عن تصويت برفض أو قبول لجنة لم يتم التقدم بها أصلاً أمراً يفتقر إلى أي سند قانوني أو مؤسساتي.

وكشف رئيس الفريق الاشتراكي أن المعارضة داخل مجلس المستشارين لا تتوفر، إلى حدود اللحظة، على العدد الكافي من التوقيعات اللازمة لإطلاق هذه المبادرة، موضحاً أن القانون يشترط توقيع ثلث أعضاء المجلس على الأقل، أي 40 مستشاراً من أصل 120 عضواً، من أجل الشروع في مسطرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق.

كما أشار إلى أن بعض اللوائح المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت أسماء شخصيات لم تعد تنتمي إلى مجلس المستشارين منذ سنوات، معتبراً أن ذلك يعكس حجم المغالطات التي رافقت هذا الملف، ويؤكد أن جزءاً من المعطيات المنشورة لا يرتبط بالتركيبة الحالية للمجلس.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه المطالب السياسية بضرورة تعزيز آليات الرقابة على تدبير الدعم العمومي ومختلف البرامج ذات الأثر المالي والاجتماعي، يبدو أن الجدل القائم حالياً انتقل من النقاش حول مضمون الملفات المثارة إلى نقاش آخر يتعلق بمدى وجود مبادرة برلمانية فعلية للتحقيق فيها.

وبين استمرار المطالب بالكشف عن مختلف المعطيات المرتبطة بملفات الدعم، وتوالي بيانات النفي الصادرة عن مستشارين من الأغلبية والمعارضة على حد سواء، يبقى مستقبل أي لجنة محتملة لتقصي الحقائق رهيناً بتوفر الشروط القانونية والسياسية الكفيلة بإخراجها إلى حيز الوجود داخل مجلس المستشارين.

آخر الأخبار