ضغط نهاية الولاية يعيد تفجير اختلالات الموارد البشرية بمقاطعات الدار البيضاء
مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية، عاد ملف تدبير الموارد البشرية داخل جماعة الدار البيضاء والمقاطعات الست عشرة التابعة لها إلى صدارة النقاش العمومي، في سياق يتسم بتزايد الضغوط المرتبطة بتقييم الحصيلة التدبيرية للمجالس المنتخبة، وارتفاع مطالب الفاعلين المحليين بضرورة تكريس مبادئ الحكامة الجيدة واحترام المقتضيات القانونية المؤطرة للمرفق العمومي.
هذا الجدل المتجدد برز بشكل لافت خلال دورات شهر يونيو الجاري، حيث فتحت عدة مجالس مقاطعات ملفات اعتُبرت حساسة، من بينها ظاهرة غياب بعض المستشارين الجماعيين عن أشغال الدورات، وإمكانية تفعيل مسطرة العزل في حق المتغيبين دون مبرر قانوني، إلى جانب إشكالية استمرار عدد من الموظفين المتقاعدين في مزاولة مهام داخل المرافق الجماعية، في وضع يثير تساؤلات قانونية ومؤسساتية متزايدة.
ووفقا لمعطيات توفرت عليها للجريدة 24 من مصادرها، فقد برزت مقاطعة المعاريف كإحدى النقاط التي عرفت نقاشا مكثفا حول هذه الإشكالات، حيث تم تفعيل نقطة تتعلق بعزل أحد المستشارين الجماعيين بسبب تكرار غيابه عن حضور أشغال المجلس دون الإدلاء بأي مبرر قانوني مقبول، في خطوة اعتُبرت مؤشرا على توجه نحو تفعيل أكثر صرامة للآليات القانونية المتاحة لضبط أداء المنتخبين.
وأفادت المصادر ذاتها بأن هذا التوجه يعكس رغبة متزايدة في القطع مع مظاهر التسيب الإداري وتعزيز الانضباط داخل المؤسسات المنتخبة.
وفي السياق ذاته، عرفت دورات يونيو في مقاطعات الحي المحمدي وسيدي مومن وسيدي عثمان نقاشات متقاربة، حيث عبر عدد من المستشارين خلال تدخلاتهم عن قلقهم من استمرار غياب بعض الأعضاء، معتبرين أن هذا السلوك يسيء إلى صورة المؤسسة المنتخبة ويضعف مصداقيتها أمام الرأي العام، خاصة في مدينة بحجم الدار البيضاء التي تمثل القلب الاقتصادي للمملكة، والتي تنتظر ساكنتها قرارات فعالة واستراتيجيات تنموية واضحة تستجيب للإكراهات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.
وبموازاة ذلك، برزت إشكالية أخرى لا تقل حساسية، تتعلق باستمرار بعض الموظفين المحالين على التقاعد في مزاولة مهام داخل المرافق الجماعية، سواء في الدار البيضاء أو على مستوى جهة الدارالبيضاء-سطات، حسب ما رصدته مصالح مختصة تابعة للعمالات والأقاليم، رغم انتهاء العلاقة القانونية التي تربطهم بالإدارة العمومية.
وأوضحت مصادر الجريدة 24 أن عددا من هؤلاء المتقاعدين، يتواجدون بشكل شبه يومي داخل المكاتب الإدارية، ويشاركون في تدبير ملفات توصف بالحساسة، دون التوفر على أي سند قانوني أو قرار إداري يحدد وضعيتهم، وهو ما يثير إشكالات قانونية مرتبطة بتحديد المسؤوليات عن القرارات المتخذة داخل هذه المرافق.
وفي هذا الإطار، سبق لـ نبيلة الرميلي، رئيسة جماعة الدار البيضاء، أن وجهت مراسلة رسمية إلى رؤساء المقاطعات، دعت فيها إلى الإنهاء الفوري لأي ممارسة تسمح لموظفين متقاعدين بالاستمرار في أداء مهام داخل المصالح الجماعية، وذلك عقب رصد حالات متكررة لعودة بعضهم إلى العمل الإداري في ظروف لا تستند إلى أي إطار قانوني واضح.
وشددت رئيسة الجماعة في مراسلتها على أن الإحالة على التقاعد تُنهي بشكل قاطع العلاقة الإدارية بين الموظف والإدارة، ولا تترك مجالا لأي تأويل يسمح بالاستمرار في مزاولة المهام، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تشكل خرقا صريحا لمبدأ المشروعية.
واستندت المراسلة إلى مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.58.008 المؤطر للنظام الأساسي للوظيفة العمومية، والذي ينص على زوال صفة الموظف العمومي بمجرد إحالته على التقاعد، مع حصر إمكانية الاستمرار في العمل في حالات استثنائية محددة ومؤطرة بنصوص قانونية دقيقة.
كما دعت العمدة إلى اتخاذ تدابير إدارية صارمة لمنع أي موظف متقاعد من ولوج المرافق الجماعية أو ممارسة أي نشاط داخلها، مع التأكيد على ضرورة تحميل المسؤولية لكل من يثبت تورطه في خرق هذه التوجيهات.
وأكدت رئيسة الجماعة على أهمية تتبع تنفيذ هذه التعليمات بشكل فعلي من خلال رفع تقارير دورية حول مدى الالتزام بها، ورصد مختلف الصعوبات التي قد تعترض تنزيلها على أرض الواقع، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية وضبط سير العمل داخل المرافق الجماعية.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل ملف الموارد البشرية أحد أبرز التحديات المطروحة أمام جماعة الدار البيضاء مع اقتراب نهاية الولاية، خاصة في ظل تداخل الإكراهات القانونية والتدبيرية مع الرهانات السياسية، ما يجعل من حسن تدبير هذا الملف عاملا حاسما في تقييم حصيلة المجالس المنتخبة وقدرتها على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.