أموال المساعدة القضائية تهز البرلمان.. ومطالب بإحالة الملف على مجلس الحسابات
أثار ملف المساعدة القضائية نقاشا واسعا تحت قبة البرلمان، بعد الكشف عن معطيات وأرقام تتعلق بالمبالغ المالية المصروفة لفائدة عدد من المحامين خلال السنوات الأخيرة، وسط تساؤلات بشأن معايير الاستفادة ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف المنتسبين إلى المهنة.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، سلط المستشار البرلماني مولاي مسعود أكناو، عن فريق الأصالة والمعاصرة، الضوء على عدد من الإشكالات المرتبطة بمنظومة المساعدة القضائية، معتبراً أن المحامي يضطلع بدور محوري في ضمان ولوج الفئات المعوزة والهشة إلى العدالة، من خلال التكفل بالدفاع عنها وتمكينها من ممارسة حقوقها القانونية والقضائية.
وأكد المتدخل أن موضوع أتعاب المحامين في إطار المساعدة القضائية ظل محل نقاش مستمر داخل الأوساط المهنية، داعياً إلى مراجعة قيمتها بما ينسجم مع حجم الجهد المبذول من طرف المحامين وطبيعة الملفات المعروضة على القضاء، خاصة في القضايا التي تستغرق فترات طويلة قبل صدور الأحكام النهائية بشأنها.
كما شدد على ضرورة صرف المستحقات المالية للمحامين داخل آجال معقولة، بما يضمن استمرارية أداء الخدمات القانونية للمستفيدين من المساعدة القضائية، إلى جانب توسيع قاعدة المستفيدين من هذا النظام لتشمل فئات اجتماعية أخرى تعاني من الهشاشة وصعوبات الولوج إلى العدالة بسبب الأعباء المالية المرتبطة بالإجراءات القضائية.
وتوقف المستشار البرلماني عند عدد من التحديات المرتبطة بتدبير هذا الورش، من بينها التفاوت المسجل في تطبيق مساطر المساعدة القضائية بين مختلف محاكم المملكة، فضلاً عن تعقيد بعض الإجراءات الإدارية والمسطرية التي قد تحد من فعالية هذا النظام في تحقيق أهدافه الاجتماعية والقانونية.
وفي معرض رده على هذه التساؤلات، كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن معطيات مالية وصفها بالمهمة، موضحاً أن مجموع المبالغ التي تم صرفها لفائدة المحامين في إطار المساعدة القضائية منذ سنة 2016 بلغ نحو 240 مليون درهم، موزعة على مختلف هيئات المحامين بالمملكة.
وأوضح الوزير أن هيئة أكادير تصدرت قائمة الهيئات المستفيدة من حيث القيمة الإجمالية للمبالغ المصروفة، بما يناهز 25 مليون درهم، متبوعة بهيئة الدار البيضاء التي استفادت من حوالي 21 مليون درهم، فيما جاءت هيئات أخرى ضمن قائمة المستفيدين من الاعتمادات المخصصة لهذا النظام.
غير أن المعطيات التي قدمها وزير العدل خلال الجلسة أثارت المزيد من الجدل، بعدما أشار إلى وجود تفاوتات كبيرة في حجم المبالغ التي توصل بها بعض المحامين مقارنة بأغلبية زملائهم.
وأبرز في هذا السياق أن محاميا بهيئة وجدة استفاد من مبلغ تجاوز مليوناً و50 ألف درهم، فيما توصل محام بهيئة أكادير بأكثر من 723 ألف درهم، واستفاد محام بمدينة العيون من حوالي 510 آلاف درهم، بينما حصل محام بمراكش على نحو 450 ألف درهم، ومحام آخر بالدار البيضاء على ما يقارب 264 ألف درهم.
وأعرب وهبي عن استغرابه من هذه الفوارق الكبيرة، متسائلاً عن الأسباب التي تجعل أسماء محددة تستفيد من مبالغ مرتفعة مقارنة بباقي المحامين، في وقت تشير فيه المعطيات المتوفرة إلى أن حوالي 90 في المائة من المحامين لا تتجاوز المبالغ التي يتوصلون بها في إطار المساعدة القضائية سقف يتراوح بين 1500 و3000 درهم.
واعتبر وزير العدل أن هذه الوضعية تفرض مراجعة شاملة للإطار القانوني المنظم للمساعدة القضائية، بما يضمن مزيداً من الشفافية والنجاعة في تدبير الأموال العمومية المخصصة لهذا المجال، ويكرس مبدأ المساواة بين المحامين في الاستفادة من الملفات المعروضة في إطار هذا النظام.
كما أكد وهبي أن من بين المقترحات المطروحة اعتماد آليات رقمية حديثة لتتبع مسار ملفات المساعدة القضائية وتوزيعها، بما يسمح بضبط العمليات المرتبطة بها وتفادي أي اختلالات محتملة، مشيراً إلى أن التناوب بين المحامين ينبغي أن يشكل قاعدة أساسية في تدبير هذا الورش.
وأعلن الوزير عزمه إحالة ملف المساعدة القضائية، بما يتضمنه من معطيات مالية وأسماء المستفيدين، على المجلس الأعلى للحسابات قصد إجراء افتحاص وتدقيق شاملين، بهدف الوقوف على كيفية صرف الأموال العمومية المخصصة لهذا النظام والكشف عن أسباب تسجيل تفاوتات كبيرة في حجم الاستفادة بين المحامين.
ويأتي هذا النقاش في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إصلاح منظومة المساعدة القضائية وتطوير آليات الحكامة المرتبطة بها، بالنظر إلى دورها الحيوي في تمكين الفئات غير القادرة من الولوج إلى العدالة وضمان حقها في الدفاع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مبادئ الشفافية وحسن تدبير المال العام.