قبل نهاية الولاية الحكومية.. ملف تشغيل الأطفال يعود ليؤرق الوزير برادة
عاد ملف تشغيل الأطفال بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي بعد صدور معطيات رسمية كشفت استمرار آلاف القاصرين في مزاولة أنشطة مهنية، من بينها أعمال مصنفة ضمن الأشغال الخطرة، وسط مطالب حقوقية وبرلمانية بتشديد المراقبة وتفعيل إجراءات أكثر صرامة لحماية الطفولة وضمان الحق في التعليم.
ويثير استمرار الظاهرة مخاوف متزايدة لدى الفاعلين الحقوقيين والمدنيين، الذين يعتبرون أن عددا من الأطفال، خصوصا في المناطق القروية، يغادرون مقاعد الدراسة مبكرا بسبب هشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأسرهم، ليلتحقوا بسوق الشغل في سن مبكرة، وهو ما ينعكس سلبا على مسارهم التعليمي والنفسي ويهدد مستقبلهم.
وفي هذا السياق، دخل البرلمان على خط القضية، بعدما وجهت نعيمة الفتحاوي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سؤالا كتابيا إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد البرادة دعت فيه إلى الكشف عن التدابير التي تعتزم الوزارة اتخاذها لإعادة الأطفال المنقطعين عن الدراسة إلى الفصول الدراسية، وضمان حمايتهم من مختلف أشكال الاستغلال المرتبطة بالعمل المبكر.
واستندت النائبة البرلمانية إلى نتائج البحث الوطني حول التشغيل لسنة 2025 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، والذي أظهر أن نحو 103 آلاف طفل يزاولون نشاطا اقتصاديا على الصعيد الوطني، بينهم حوالي 59 ألف طفل، أي ما يمثل 58.4 في المائة، يشتغلون في أعمال توصف بالخطرة، بما تحمله من مخاطر على صحتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.
وأكدت الفتحاوي أن هذه المؤشرات تعكس استمرار تعرض عدد كبير من الأطفال لظروف عمل تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحماية، مشيرة إلى أن الظاهرة ترتبط بشكل وثيق بالانقطاع عن الدراسة واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية، خاصة في الوسط القروي، الأمر الذي يستوجب اعتماد تدخلات عملية ومستعجلة تضمن حماية الأطفال وتكريس حقهم في التعليم.
بالموازاة مع ذلك، عاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى التحذير من استمرار تشغيل الأطفال، داعيا إلى اعتماد سياسة عمومية أكثر فعالية تقوم على مبدأ عدم التسامح مع تشغيل القاصرين دون سن السادسة عشرة، مع تشديد تطبيق المقتضيات القانونية وتعزيز آليات الوقاية والمراقبة.
وأكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر أعمارة، مؤخرا، أن المغرب حقق خلال السنوات الماضية تقدما ملحوظا في مجال حماية الطفولة من خلال إصلاحات تشريعية ومؤسساتية متتالية، انعكست على تراجع عدد الأطفال المشتغلين من 517 ألف طفل سنة 1999 إلى حوالي 101 ألف طفل سنة 2024، غير أن استمرار بعض مظاهر الاستغلال، وعلى رأسها الأشغال الخطرة والعمل المنزلي والتسول المنظم وبعض أشكال الاتجار بالبشر، يفرض مواصلة الجهود وتعزيز نجاعة السياسات العمومية.
وأوضح أعمارة، خلال لقاء تواصلي خصص لتقديم مخرجات رأي المجلس لهذا الملف، أن القضاء على هذه الظاهرة يظل رهينا بمعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذيها، وفي مقدمتها الفقر والهشاشة والانقطاع المدرسي واتساع الاقتصاد غير المهيكل، مشيرا إلى أن نتائج الاستشارة المواطنة التي أنجزها المجلس أظهرت وجود مطالب واسعة بتوسيع برامج الدعم الاجتماعي الموجه للأسر الهشة باعتبارها مدخلا أساسيا للحد من تشغيل الأطفال.
كما أبرز المسؤول نفسه أهمية اتفاقية الشراكة والتعاون الموقعة بين المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمرصد الوطني لحقوق الطفل، والتي تروم تعزيز التنسيق بين المؤسستين وتطوير المبادرات الرامية إلى حماية حقوق الأطفال وترسيخ آليات الرصد والتتبع.
من جانبها، قدمت عضوة المجلس ومقررة الموضوع، كريمة مكيكة، معطيات إضافية كشفت أن 87 في المائة من الأطفال المشتغلين منقطعون عن الدراسة، فيما يزاول نحو 70 في المائة منهم أنشطة فلاحية بالوسط القروي، وهو ما يعكس استمرار ارتباط الظاهرة بالهشاشة الاجتماعية وضعف فرص التمدرس في عدد من المناطق.
وحذرت مكيكة من تنامي بعض أشكال الاستغلال الأكثر خطورة، وعلى رأسها الاتجار بالبشر، مشيرة إلى تسجيل 102 قضية خلال سنة 2025 أسفرت عن تحديد هوية 93 طفلا قاصرا من الضحايا، وهو ما يبرز الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات المكلفة بحماية الطفولة.
ويقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ضمن توصياته، رفع السن الأدنى القانوني للولوج إلى سوق الشغل إلى 16 سنة، وتعزيز جهاز تفتيش الشغل وتطوير وسائل اشتغاله، إلى جانب ربط برامج الدعم الاجتماعي باستمرار الأطفال في الدراسة أو التكوين، وإحداث إطار قانوني خاص بالشباب المتراوحة أعمارهم بين 16 و18 سنة يضمن التكوين والتأطير والحماية الاجتماعية، بما يساهم في الحد من تشغيل الأطفال وتعزيز فرص إدماجهم في مسارات تعليمية ومهنية سليمة.