مليون منصب شغل في قلب السباق الانتخابي.. الأحزاب تراهن على ورقة البطالة

الكاتب : انس شريد

16 August 2026 - 07:30
الخط :

يدخل المشهد السياسي المغربي مرحلة حاسمة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة خلال شتنبر 2026، في ظل سباق متصاعد بين الأحزاب لتقديم عروض انتخابية قادرة على استعادة ثقة الناخبين، خصوصاً الشباب، وربط الخطاب السياسي بالملفات التي أصبحت أكثر التصاقاً بالواقع اليومي للمغاربة، وفي مقدمتها التشغيل والتعليم والصحة والسكن والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية.

وتأتي هذه الانتخابات في سياق مختلف عن الاستحقاقات السابقة، بعدما أصبحت حصيلة الولاية الحكومية 2021-2026 نفسها جزءاً من النقاش الانتخابي، خاصة أن البرنامج الحكومي حمل أهدافاً طموحة، من بينها رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 4 في المائة، وإحداث مليون منصب شغل صاف، ورفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء إلى أكثر من 30 في المائة.

ومع اقتراب نهاية الولاية، تطرح هذه الالتزامات سؤال الحصيلة ومدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة، خصوصاً في مجال التشغيل والمشاركة الاقتصادية للنساء، في وقت ما تزال فيه البطالة وتكاليف المعيشة وفرص الارتقاء الاجتماعي من أبرز الملفات التي تؤثر في المزاج العام وتحدد اختيارات الناخبين.

وفي قلب هذا النقاش، طرح محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في لقاء تلفزيوني، مجموعة من الوعود التي تستهدف انهاء اختلالات قطاع الشغل، أهمها إحداث 165 ألف منصب توظيف جديد في قطاعي التعليم والصحة خلال خمس سنوات، إلى جانب خلق مليون منصب شغل فعلي خلال الفترة نفسها.

في المقابل، دخل حزب التجمع الوطني للأحرار المنافسة ببرنامج انتخابي للفترة 2026-2031 يحمل شعار «كرامة وفرص للجميع»، واضعاً التشغيل وريادة الأعمال والحماية الاجتماعية وتأهيل الكفاءات في صلب عرضه الموجه إلى الناخبين، ولا سيما فئة الشباب.

ويراهن الحزب على خفض معدل البطالة إلى أقل من 9 في المائة بحلول سنة 2030، مستنداً إلى استراتيجية تستهدف الشباب والقطاعات الاقتصادية التي يمكن أن توفر فرص عمل جديدة، مع التعويل على الأوراش الكبرى والاستثمارات المرتبطة باستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 باعتبارها رافعة اقتصادية وتشغيلية.

ويحدد التجمع الوطني للأحرار ستة قطاعات يعتبرها أساسية لإدماج الشباب في سوق الشغل، وهي السياحة والخدمات والصناعة الوطنية والفلاحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الرقمي، في محاولة لربط منظومة التكوين بالقطاعات التي ينتظر أن تعرف طلباً متزايداً على الكفاءات خلال السنوات المقبلة.

ويمتد البرنامج إلى تشجيع المبادرة الفردية والمقاولة، من خلال مقترحات تتعلق بتوفير قروض بدون فوائد لفائدة المستثمرين الشباب، إلى جانب آليات للمواكبة والتأهيل، فضلاً عن مقترح «درع الادخار» الموجه إلى الشغيلة الشابة من أجل مساعدتها على بناء رصيد مالي للمستقبل.

كما يتضمن البرنامج مقترحاً لتمديد مدة التعويض عن فقدان الشغل من ستة أشهر إلى 12 شهراً، بما يوفر، وفق التصور المعلن، حماية أوسع للعمال الذين يفقدون وظائفهم ويحتاجون إلى وقت إضافي للعودة إلى سوق العمل.

أما حزب العدالة والتنمية، فيقدم تصوراً يقوم على الانتقال من التركيز على معدلات النمو إلى ما يسميه النمو المشغل، من خلال ربط السياسة الاقتصادية بقدرتها على إنتاج وظائف مستدامة.

ويقترح الحزب مراجعة مدونة الشغل، وتطوير نظام المقاول الذاتي، وإعادة توجيه الدعم العمومي والاستثمارات نحو المشاريع التي تلتزم بخلق مناصب شغل حقيقية.

ويولي الحزب أهمية خاصة للمقاولات الصغرى جداً والصغيرة والمتوسطة، التي يعتبرها مكوناً رئيسياً للنسيج الاقتصادي وقاطرة محتملة لخلق فرص العمل، مع الدعوة إلى دعم القطاعات كثيفة التشغيل، وفي مقدمتها الصناعة والفلاحة الذكية والاقتصاد الرقمي والأخضر والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

كما يضع العدالة والتنمية إصلاح منظومة التكوين المهني وملاءمتها مع حاجيات سوق الشغل ضمن أولوياته، بالتوازي مع اعتماد مقاربة تشاركية في إعداد برنامجه الانتخابي عبر استقبال مقترحات المواطنين والمهنيين، في محاولة لربط التصورات الانتخابية بالانتظارات الميدانية.

بدوره، يركز حزب الأصالة والمعاصرة على تكافؤ الفرص في الولوج إلى سوق الشغل، ومحاربة المحسوبية، وربط فرص العمل بالتنمية الترابية، من خلال تصور يستهدف خلق وظائف محلية تراعي خصوصيات الجهات والأقاليم وتساهم في تقليص الفوارق المجالية.

ويربط الحزب كذلك التكوين والتشغيل بالمشاريع الاستراتيجية التي يستعد المغرب لاحتضانها أو تطويرها، وعلى رأسها الاستعدادات لكأس العالم 2030 ومشاريع الطاقة والأمن الغذائي، مع طرح بدائل للتشغيل الذاتي ودعم المقاولات الناشئة وتأهيل كفاءات جديدة قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية.

وفي صفوف المعارضة، تضع الحركة الشعبية التشغيل الرقمي ضمن أولوياتها، من خلال مقترح إحداث منصة وطنية للتشغيل تعتمد على التقنيات الرقمية، إلى جانب إعادة النظر في طريقة اشتغال الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، وإطلاق برنامج "فرصة ثانية" يستهدف إدماج فئة الشباب غير الموجودين في التعليم أو التكوين أو العمل، والمعروفة اختصاراً بفئة "NEET"، والتي يقدر عددها بأكثر من أربعة ملايين شاب مغربي.

وبذلك تتحول قضية التشغيل من مجرد ملف اجتماعي إلى محور رئيسي في المنافسة الانتخابية، بعدما باتت معظم الأحزاب تدرك أن استقطاب الشباب لن يتحقق فقط عبر الشعارات، بل من خلال تقديم إجابات قابلة للقياس حول الوظائف والدخل والتكوين والحماية الاجتماعية وفرص المبادرة الاقتصادية.

وبين وعود خفض البطالة، وخلق ملايين فرص الشغل، ودعم الشباب والمقاولات، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتجديد النخب، تضع انتخابات 2026 الأحزاب أمام اختبار يتجاوز القدرة على الفوز بالمقاعد إلى قدرتها على إقناع الناخب بأن البرامج الانتخابية يمكن أن تتحول فعلاً إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.

آخر الأخبار