مافيا الهجرة تستغل أزمة سبتة.. رحلات سرية إلى شبه الجزيرة وأرباح بالملايين
دخل ملف الهجرة غير النظامية في مدينة سبتة المحتلة مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما بدأت تداعيات موجة العبور الجماعي الأخيرة تتجاوز حدود الضغط على المرافق الأمنية والإنسانية، لتفتح الباب أمام تحركات لشبكات إجرامية يُشتبه في استغلالها الوضع لنقل مهاجرين من شمال إفريقيا نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، مستفيدة من ارتفاع الطلب على طرق العبور البديلة بعيداً عن المراقبة الحدودية.
وتشير معطيات أوردتها وسائل إعلام إسبانية إلى أن نشاط هذه الشبكات لم يتوقف عند تنظيم محاولات الوصول إلى سبتة، بل امتد إلى توفير رحلات بحرية مباشرة نحو سواحل جنوب إسبانيا، في مسار يضع المهاجرين أمام مخاطر جديدة، فيما يحوّل أزمة الهجرة إلى مصدر أرباح ضخمة بالنسبة للمهربين.
وتأتي هذه التطورات في وقت أعلنت فيه أجهزة أمنية إسبانية عن عمليات مرتبطة بنقل مهاجرين انطلاقاً من محيط سبتة في اتجاه شبه الجزيرة.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير إعلامية إسبانية بأن عناصر من الحرس المدني تمكنوا، خلال إحدى العمليات البحرية، من توقيف شخصين يشتبه في ارتباطهما بقيادة قوارب مخصصة لنقل المهاجرين.
وتعتبر هذه العملية، وفق المعطيات المتداولة، مؤشراً على انتقال نشاط شبكات التهريب إلى مرحلة تعتمد فيها على وسائل بحرية للوصول مباشرة إلى السواحل الإسبانية، بدل الاكتفاء بمحاولات العبور الجماعي عبر الحدود.
وتزداد خطورة هذا المسار مع الحديث عن أسعار مرتفعة يدفعها المهاجرون مقابل الرحلات البحرية.
وبحسب تقديرات أوردتها التقارير الإسبانية، فإن تكلفة نقل الشخص الواحد قد تتراوح بين 6 آلاف و10 آلاف يورو، في وقت تحافظ فيه هذه الشبكات على مستويات الأسعار نفسها تقريباً منذ بداية السنة، رغم التحولات التي شهدها الوضع الميداني في سبتة ومليلية.
ويتم، وفق الرواية التي نقلتها المصادر الإسبانية، الاتفاق مسبقاً على المقابل المالي، قبل نقل المهاجرين بواسطة قوارب من السواحل الواقعة شمال إفريقيا باتجاه شواطئ تقع في محيط لا لينيا دي لا كونثبثيون أو مناطق أخرى من حقل جبل طارق، حيث يتم التخلي عنهم بعد الوصول، ليصبحوا لاحقاً في حاجة إلى المساعدة الإنسانية أو إلى تدبير وضعهم بعيداً عن شبكات التهريب التي نقلتهم.
ولا تتوقف أرباح هذه الشبكات عند الرحلات البحرية نحو إسبانيا، إذ تشير معطيات صادرة عن وزارة الداخلية الإسبانية إلى رصد 64 واقعة مرتبطة بمسارات الهجرة خلال الأشهر الأولى من السنة، مع نسبة دخول تُقدّر بأكثر من ألفي مهاجر، بينما تجاوزت الأرباح المنسوبة إلى التنظيمات المتورطة، وفق التقديرات الرسمية التي أوردتها التقارير، 24 مليون يورو.
وفي مسار آخر أكثر كلفة وتعقيداً، تتحدث التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن الإسبانية عن مبالغ تتراوح بين 20 ألفاً و25 ألف يورو للشخص الواحد مقابل ترتيبات تهدف إلى تجاوز إسبانيا والتوجه نحو دول أخرى في أوروبا، من بينها فرنسا وألمانيا.
وتختلف هذه العملية عن الرحلات البحرية المباشرة، إذ تعتمد على إبقاء المهاجرين في أماكن مغلقة أو مؤقتة قبل نقلهم إلى وجهاتهم النهائية، بهدف الحد من إمكانية تعقبهم من طرف السلطات.
وتأتي هذه التطورات بينما تواجه الحكومة الإسبانية ضغطاً متزايداً بسبب تداعيات موجة الوصول إلى سبتة. وكانت أرقام وزارة الداخلية قد سجلت، باستثناء تداعيات موجة العبور الأخيرة، ارتفاعاً بنسبة 191.1 في المائة في عدد الوافدين إلى المدينة عبر المسارات البرية مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وهو ما أعاد ملف الهجرة إلى واجهة النقاش الأمني والسياسي في إسبانيا.
وفي خضم ذلك، اتجهت السلطات الإسبانية إلى تحميل شبكات التهريب جانبا من المسؤولية عن استغلال المهاجرين، إذ حذر وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا من الوقوع في فخ المهربين الذين يستغلون رغبة المهاجرين في الوصول إلى أوروبا لتحقيق مكاسب مالية، بينما سبق لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن أشار بدوره إلى مسؤولية التنظيمات الإجرامية عن جزء من هذه التحركات.
وتكشف المعطيات المتداولة أن أزمة سبتة لم تعد مرتبطة فقط بتدبير موجات العبور أو مراقبة الحدود، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بسوق غير قانونية تستفيد من استمرار تدفق المهاجرين ومن صعوبة إيجاد طرق آمنة وقانونية للوصول إلى أوروبا.
وفي المقابل، اتخذ النقاش الأوروبي منحى أكثر تشددا بشأن التعامل مع المهاجرين الذين يصلون إلى الأراضي الأوروبية بصورة غير نظامية، بعدما أقر الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي قواعد جديدة مرتبطة بسياسات الهجرة وإجراءات الإعادة، بما في ذلك تطوير آليات ومراكز مخصصة للتعامل مع قرارات الترحيل.