هيئة نسائية تدخل على خط بدعة لشكر المال مقابل التزكية
تتابع الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب،بقلق بالغ، مايرافق مرحلة الإعداد للاستحقاقات الانتخابية من مؤشرات وممارسات من شأنها المساس بحق النساء في مشاركة سياسية حرة ومستقلة ومتكافئة،وتهديد المكتسبات التي راكمتها الحركة النسائية والديمقراطية من أجل المساواة الفعلية، وإفراغ آليات التمييز الإيجابي من وظيفتها الدستورية والديمقراطية.
لقد سبق للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ،خلال النقاش المتعلق بمراجعة المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات ،أن طالبت بإدماج تجريم العنف السياسي ، وإقرار آليات فعالة للوقاية منه والتبليغ عنه والحماية من آثاره، ووضع ضمانات قانونية وتنظيمية تحول دون استعمال سلطة الترشيح والتزكية كوسيلة لإقصاء النساء أو الضغط عليهن أو إخضاع حقهن في الولوج إلى المؤسسات المنتخبة لمنطق المال أو النفوذ أو الولاءات الشخصية.
واليوم، فإن ما يبرز من معطيات وتصريحات مرتبطة بتدبير الترشيحات للانتخابات التشريعية يؤكد وجاهة هذه التحذيرات، ويستدعي اليقظة والمساءلة والتحقق ، وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية اتجاه مرتكبي العنف وكل من يمس بنزاهة الترشيحات أو بتكافؤ الفرص بين المترشحات.
إن الاستحقاقات الانتخابية يفترض أن تشكل محطة لتوسيع المشاركة السياسية للنساء وترسيخ المساواة والمناصفة، لا مناسبة لإعادة إنتاج الإقصاء والتمييز داخل التنظيمات السياسية نفسها، واعتماد منطق الأعيان بلغة المؤنث ولذلك، فإن أي ممارسة تجعل القدرة المالية أو النفوذ أو الولاء الشخصي معيارا فعليا للولوج إلى الترشيح على حساب الكفاءة والنزاهة والمسار السياسي والنضالي، تشكل انحرافا عن الوظيفة الديمقراطية للأحزاب وعن الغاية من الاستحقاقات الانتخابية.
وتزداد خطورة هذه الممارسات بالنسبة للنساء، لأنهن يدخلن أصلا مجال المنافسة السياسية في ظل اختلالات بنيوية وتاريخية في توزيع الموارد والسلط والنفوذ، وعندما تصبح المرأة مطالبة بإثبات قدرتها على تعبئة المال بدل كفاءتها السياسية، أو بإظهار الولاء بدل استقلالية قرارها، أو عندما يتم تهميش القيادات والكفاءات النسائية المستقلة الحاملة لمشروع المساواة ، لصالح منطق النفوذ وشبكات المصالح، فإن الأمر لا يتعلق فقط باختلال في تدبير الترشيحات، وإنما يتحول إلى شكل من أشكال العنف السياسي والتمييز الممارس ضد النساء.
إن هذه الممارسات، متى مست المقاعد أو آليات الترشيح المخصصة لتعزيز تمثيلية النساء، تضرب فلسفة التمييز الإيجابي في جوهرها ، فآليات التمييز الإيجابي لم تقر لكي تتحول إلى مجال للمساومة أو الامتياز أو إعادة توزيع النفوذ داخل التنظيمات السياسية، وإنما أحدثت للتمكين السياسي باعتبارها تدبيرا انتقاليا لتصحيح اختلال تاريخي وبنيوي في تمثيل النساء القياديات ، وفتح المجال أمامهن للوصول إلى المؤسسات المنتخبة ومواقع القرار، إعمالا للحق في المساواة الفعلية.
ومن غير المقبول أن تتحول الآلية التي أُحدثت لمواجهة التمييز إلى أداة لإعادة إنتاجه، أو أن يتحول 90 مقعد مخصص لتعزيز تمثيلية النساء من مدخل للتمكين السياسي إلى مورد يخضع لمنطق النفوذ والقدرة المالية والعلاقات الزبونية، كما أن أي اشتراط لمساهمات أو أعباء مالية، مباشرة أو غير مباشرة، مرتبطة فعليا بالحصول على التزكية، يطرح سؤالا ديمقراطيا بالغ الخطورة: هل أصبح الحق في المشاركة السياسية مشروطا بالقدرة على الدفع؟ وهل تتحول التزكية الحزبية من مسؤولية سياسية إلى امتياز يخضع لمنطق العرض والطلب؟
إن التمكين السياسي الحقيقي للنساء لا يقاس بمجرد عدد المقاعد التي يحصلن عليها، ولا بإدراج أسمائهن في اللوائح الانتخابية، وإنما بمدى توفرهن على شروط فعلية للاستقلالية والمنافسة العادلة والولوج المتكافئ إلى الموارد والقرار السياسي، فالنساء المنتخبات لسن رقما لاستكمال مؤشرات التمثيلية، والمناصفة ليست عملية حسابية، والتمييز الإيجابي ليس امتيازا تمنحه الأحزاب للنساء، بل هو آلية لتصحيح تفاوت تاريخي وتمكين نصف المجتمع من ممارسة حقه الكامل في المشاركة وصنع القرار.
وانطلاقا من ذلك، فإن الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب:
1- تعتبر المساومة على التزكيات وربطها بالمال والنفوذ أو الولاء، مسا خطيرا بمبادئ الديمقراطية والمساواة الفعلية وتكافؤ الفرص ونزاهة العملية الانتخابية؛
2- تحث الأحزاب السياسية إلى تحمل مسؤوليتها الديمقراطية في إقرار مساطر شفافة ومعلنة وقابلة للمساءلة لاختيار المرشحات والمرشحين،تقوم على الكفاءة والنزاهة والمسار السياسي والنضالي والارتباط بقضايا المجتمع؛ مع ضمان تكافؤ فعلي للفرص في الولوج إلى الموارد الحزبية والمالية والتنظيمية والإعلامية،بما يحول دون تحول الفوارق الاقتصادية أوالنفوذ إلى عائق أمام المشاركة السياسية للنساء أو معيار للتحكم في فرص ترشيحهن؛
3- تطالب بفتح تحقيق ومساءلة جدية بشأن كل تصريح موثق يتعلق بطلب مقابل مالي مباشر أو غير مباشر نظير الحصول على التزكية، وترتيب الآثار القانونية المناسبة لتحصين المكتسبات الدستورية المتعلقة بالمساواة الفعلية؛
4- تدعو الجهات المختصة بالإشراف على العمليات الانتخابية،كل في نطاق اختصاصه،إلى تتبع كل مامن شأنه المس بنزاهة الترشيحات والمنافسة الانتخابية، واتخاذ الإجراءات التي يتيحها القانون؛
5- تجدد مطالبتها بإقرار إطار قانوني واضح للاعتراف بالعنف السياسي ضد النساء وتجريمه، ووضع آليات مستقلة وفعالة للتبليغ والحماية والانتصاف، خاصة خلال مراحل الترشيح والحملة الانتخابية وممارسة المهام الانتدابية؛
6- تدعو إلى دعم القيادات والكفاءات النسائية وتأهيلها وتمكينها من مواقع القرار الحزبي،وعدم حصر حضور النساء في الاستحقاقات الانتخابية في المقاعد الناتجة عن آليات التمييز الإيجابي فقط (دعم الترشيح في اللوائح المحلية )؛
7- تطالب بضمان تكافؤ فعلي في الولوج إلى الموارد الحزبية والمالية والتنظيمية والإعلامية، حتى لا تتحول الفوارق الاقتصادية إلى حاجز جديد أمام المشاركة السياسية للنساء؛
إن نزاهة الانتخابات تبدأ من نزاهة الترشيحات، ولا يمكن الحديث عن انتخابات ديمقراطية إذا كانت أبواب المنافسة السياسية لا تضمن المساواة الفعلية في الولوج إليها، أو إذا تحولت الموارد المالية والنفوذ إلى أدوات للتحكم في فرص الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
كما أن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد النساء اللواتي يصلن إلى البرلمان والجماعات والمؤسسات المنتخبة فقط، وإنما أيضا بالشروط التي وصلن بها، وباستقلاليتهن، وبقدرتهن على ممارسة أدوارهن السياسية دون وصاية أو ابتزاز أو تبعية.
إن أي تحويل للمشاركة السياسية للنساء إلى مجال للمساومة المالية أو لتبادل المصالح لا يسيء إلى النساء وحدهن، بل يمس بنزاهة العملية الديمقراطية، ويضعف الثقة في المؤسسات والأحزاب، ويهدد بإفراغ مبدأ المناصفة من مضمونه الدستوري والتحويلي.