شفشاون... الجوهرة الزرقاء التي سحرت العالم وأصبحت أيقونة سياحية

الكاتب : الجريدة24

05 September 2026 - 10:40
الخط :

أمينة المستاري

لم تكن مادة الجير الزرقاء وحدها من حول مدينة شفشاون إلى وجهة سياحية عالمية، فالتناغم الدقيق بين الهندسة المعمارية الأندلسية، والتضاريس الجبلية الوعرة، والتدفق المائي المستمر لنبع رأس الماء.. مما جعل من "الجوهرة الزرقاء" نموذجا ناجحا لتحول المدن التاريخية إلى أقطاب سياحية مستدامة.

على ارتفاع يصل 600 متر فوق سطح البحر، تقع مدينة شفشاون التي كانت قلعة عسكرية ضد الاستعمار سنة 1471، والتي تحولت إلى أبرز الوجهات السياحية العالمية، حيث تستقبل مئات الآلاف من الزوار سنويا الوافدين عليها لاستكشاف جمالها ومؤهلاتها الطبيعية المائية، باعتبارها حجز الزاوية في التنمية السياحية للمدينة.

فعند الحافة الشمالية الشرقية للمدينة العتيقة لشفشاون، ينساب منبع "راس الماء" بحيوية متجددة، حيث تخرج المياه الجبلية العذبة من بين الصخور لتشكل نبعا طبيعيا يمتزج صرير مياهه المتدفقة بنسيم الجبل، معلنا بدء شريان الحياة الذي يغذي المشهد الطبيعي والزراعي بالمنطقة، وعلى جانب مجراه تنتر المقاهي الصغيرة البسيطة التي تتيح للزوار الاسترخاء والاستمتاع بخرير المياه وسط مشاهد طبيعية خلابة.

فخلال فصل الربيع والصيف يتحول المنبع إلى ملتقى ينبض بالحركة، ويتوافد السياح لالتقا الصور أمام الشلالات والجسر الحجري الذي يعبر ضفة النهر.  ويلتقي هذا الموقع وحماس المستكشفين الراغبين في بدء مسارات المشي، ويراقب الزوار مشاهد لغسيل المنسوجات والصوف على الجداول المائية، وسط محلات بيع المنتجات اليدوية و"الفراشة" الذين يعرضون مختلف التذكارات التي تعكس هوية المدينة.

ينضاف إلى هذه المؤهلات منظومة جبلية تضم منتزه "تالاسمطان" الوطني، الممتد على مساحة 58,000 هكتار...هذا التنوع البيئي يوفر شبكة من المسارات الطبيعية الممتدة على عشرات الكيلومترات، رابطة بين شلالات "أقشور" الشهيرة والقمم الجبلية التي تتجاوز ارتفاعها 2000 مترا.

تعتمد الجاذبية البصرية للمدينة على طلاء الجدران بمزيج الجير والنيلة الزرقاء. هذا التقليدي يعود إلى أصول أندلسية ويهودية، يجدد دوريا للحفاظ على طابعه الموحد. فقد شهدت المدينة سلسلة من التحديثات الهيكلية للرفع من الجاذبية السياحية، فقد تم تحديث الأرصفة يتناسب مع الطابع المعماري للمدينة مع إعادة تنظيم أمكن التوقف لتقليل الإكتظاظ، وإلزام المحلات التجارية على طول الشارع بهوية بصرية موحدة من وواجهات وستائر باللونين الأزرق والأبيض، إضافة إلى تثبيت أعمدة إنارة عمومية تعمل بتقنية الموفرة للطاقة، إضافة إلى التشجير بغرش نباتات تزيينية ملائمة للمناخ الجبلي، مع تخصيص مسارات آمنة للمشاة وبناء نافورات الماء "سقايتين" بشارع المحمدي، باستعمال الزليج المغربي بدرجات الأبيض والأزرق والفسيفساء ليحافظ على التناسق البصري للهوية المعمارية للشارع، كما عرفت القصبة التاريخية بوطاء الحمام عملية ترميم للأسوار الأندلسية، وتحديث الممرات الداخلية، تهيئة ضفاف مجرى الماء، وإضافة لوحات إرشادية وباقي التجهيزات البينية والسياحية...

ساهم الهيكل العمراني الضيق وشبكة الأزقة الملتوية في تقليل التدفق المروري الداخلي للسيارات، مما جعل المدينة القديمة منطقة مشاة بامتياز يعزز التجوال لدى السياح، ومكنت الطاقة الاستيعابية المتمثلة في دور الضيافة والفنادق في استقطاب السياح الذين يصلون إما عبر رحلات سياحية لقرب مطار سانية الرمل بتطوان، وميناء طنجة المتوسط.

تشكل دروب شفشاون العتيقة لوحة فنية ساحرة تأسر الحواس، إذ تمتد الأزقة الضيقة والملتوية بدرجات اللون الأزرق المتدرجة من السماوي الفاتح إلى النيلي الغامق، تنتشر المنازل الصغيرة بأبوابها الخشبية العتيقة المزينة مجموعة كبيرة منها بالأواني الفخارية المملوءة بالزهور والورود، واختار بعض ساكنتها تحويل أزقتهم إلى لوحات فنية يأخذ فيها الزوار صورا تذكارية، مما يعطي كل زاوية طابعا بصريا فريدا يجمع بين التراث الأندلسي الهادئ مما يمنح إحساسا بالسكينة والجمال في كل انحناءة درب.

آخر الأخبار