هل أصبحت وعود التشغيل مفتاح أحزاب الأغلبية لاستمالة الناخبين؟

الكاتب : انس شريد

10 September 2026 - 08:30
الخط :

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، تتجه الأحزاب السياسية المغربية إلى تكثيف عروضها الانتخابية في محاولة لاستمالة الناخبين، خصوصا فئة الشباب التي باتت تنظر إلى سوق الشغل باعتباره أحد أبرز الاختبارات الحقيقية لجدوى السياسات العمومية وقدرتها على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

وفي قلب هذا السباق الانتخابي، عادت قضية البطالة إلى واجهة الخطاب السياسي، بعدما تحولت إلى واحد من أكثر الملفات ارتباطا بانشغالات الأسر المغربية، في ظل ارتفاع انتظارات الشباب بشأن الحصول على فرص شغل مستقرة، وتزايد النقاش حول قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الوافدين الجدد على سوق العمل.

وتكتسب هذه الوعود أهمية إضافية بالنظر إلى أن الأحزاب الثلاثة المكونة للأغلبية الحكومية الحالية، وهي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، تدخل الاستحقاقات المقبلة وهي مطالبة بتقديم حصيلة وخطط مستقبلية في ملف التشغيل، خصوصا بعدما حمل البرنامج الحكومي للفترة 2021-2026 أهدافا طموحة، من بينها رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 4 في المائة، وإحداث مليون منصب شغل صاف، ورفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء إلى أكثر من 30 في المائة.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه حصيلة الولاية الحكومية جزءا من النقاش الانتخابي، اختارت مكونات الأغلبية تقديم وعود جديدة بأرقام وأهداف تمتد إلى ما بعد الولاية الحالية، واضعة التشغيل في صدارة برامجها، وإن اختلفت الآليات المقترحة من حزب إلى آخر بين خلق مناصب شغل مباشرة، ودعم المقاولات، وتطوير التكوين، وتشجيع العمل الرقمي، وتنظيم الهجرة المهنية.

حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة، جعل من خفض البطالة أحد أبرز التزاماته المستقبلية، معلنا استهداف الوصول بمعدل البطالة العام إلى 9 في المائة بحلول سنة 2030، على أساس تحقيق نمو اقتصادي سنوي يبلغ 5 في المائة.

ولم يكتف الحزب بهذا الهدف، بل التزم بإحداث مليون منصب شغل صاف بحلول سنة 2031، موزعة، وفق برنامجه الانتخابي، بين 300 ألف منصب في قطاع الصناعة، و300 ألف منصب في السياحة والخدمات والأنشطة المرتبطة بكأس العالم، و250 ألف منصب في مجال الرقمنة، إضافة إلى 150 ألف منصب في القطاع الفلاحي.

ويراهن الحزب على الأوراش الكبرى والاستثمارات الاستراتيجية باعتبارها رافعة للتشغيل، مستحضرا مشاريع من قبيل تحلية المياه وموانئ الناظور والداخلة، إلى جانب قطاعات أخرى يرى أنها قادرة على خلق فرص اقتصادية جديدة وربط الاستثمار بإحداث مناصب شغل.

وفي محاولة لمعالجة وضعية الفئات الأكثر ابتعادا عن سوق العمل، يتعهد الحزب بإطلاق مسار للتمكين الاقتصادي يستهدف القطاع غير المهيكل والشباب غير المنخرطين في التعليم أو التكوين أو الشغل، مع هدف معلن يتمثل في تحقيق 250 ألف إدماج مهني سنويا من خلال برامج لدعم التشغيل.

كما يقترح الحزب إعادة النظر في منظومة التعويض عن فقدان الشغل، عبر مضاعفة مدة الاستفادة لتصل إلى 12 شهرا بدلا من ستة أشهر، مع تعويض يعادل 70 في المائة من الأجر المرجعي، في حدود سقف يصل إلى أربعة أضعاف الحد الأدنى للأجور.

ويرتبط هذا التصور كذلك بتخفيف شروط الاشتراك، إذ يلتزم الحزب باعتماد شرط 520 يوما من الاشتراك، منها 186 يوما خلال آخر 12 شهرا، بما من شأنه، وفق تصوره، توسيع دائرة المستفيدين من التعويضات وتوفير حماية أكبر للعمال الذين يفقدون وظائفهم.

وضمن الوعود المرتبطة بفئات العمال الموسميين، يقترح الحزب إحداث "بطاقة العامل الموسمي"، بما يضمن، حسب برنامجه، تسجيل هذه الفئة بشكل دائم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والاستفادة من حقوق التقاعد والتغطية الصحية، إلى جانب منحة موسمية تعادل 70 في المائة من الأجر المرجعي، مع تقنين عقود الشغل محددة المدة.

وفي الجانب المرتبط بالمبادرة الفردية، يتعهد التجمع الوطني للأحرار بإحداث صندوق للقروض الإنتاجية بدون فوائد، يستهدف المشاريع الصغرى جدا وحاملي المشاريع والمستقلين ومغاربة العالم، مع ضمان الدولة للتمويل ودون اشتراط ضمانات شخصية، فضلا عن مواصلة دعم المتعطلين خلال مرحلة الانتقال إلى الشغل لمدة تصل إلى 12 شهرا بهدف مساعدة الأسر على مواجهة فترة البحث عن العمل.

وفي الضفة الأخرى من الأغلبية، يضع حزب الأصالة والمعاصرة ملف البطالة ضمن ما يعتبره تحديا وطنيا يرتبط بشكل مباشر بمستقبل الأجيال الجديدة، مستندا في تشخيصه إلى وجود حوالي 2.9 مليون شابة وشاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل.

ويركز الحزب على الفئة الشابة باعتبارها الأكثر تأثرا بصعوبة الولوج إلى سوق العمل، مشيرا إلى بلوغ معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة نحو 29 في المائة، فضلا عن مغادرة حوالي 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا دون تأهيل، وفق المعطيات التي أوردها في برنامجه.

وانطلاقا من هذا التشخيص، يقترح الحزب ما يسميه "مسار الإدماج"، باعتباره مسارا موحدا لفائدة كل شاب يوجد خارج التعليم والتكوين والشغل، إلى جانب شعار «صفر انقطاع عن الدراسة دون حل بديل»، في محاولة لربط محاربة البطالة بمواجهة الهدر المدرسي وتحسين الانتقال من التعليم إلى الحياة المهنية.

وعلى مستوى خلق فرص الشغل، يلتزم الأصالة والمعاصرة بدوره بإحداث مليون منصب شغل صاف على الأقل، مع توزيع هذه المناصب بين مجموعة من القطاعات والأنشطة، إذ يتوقع البرنامج خلق 360 ألف منصب في إطار تنظيم كأس العالم 2030 والأنشطة الإنتاجية والخدماتية المواكبة، و270 ألف منصب في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، و250 ألف منصب صاف في الصناعة.

كما يضيف الحزب إلى هذه الأهداف استقرار 80 ألف فلاح شاب في العالم القروي، وإحداث 40 ألف منصب في المجال الرياضي، إلى جانب إنشاء نظام جديد للتشغيل الذاتي في مجال تصدير الخدمات، بما يعكس توجه البرنامج نحو تنويع مصادر فرص الشغل وعدم حصرها في الوظيفة التقليدية.

وفي خطوة تستهدف الشباب الباحث عن أول فرصة مهنية، يلتزم الحزب بتمكين حوالي 500 ألف شاب خلال خمس سنوات من خوض أول تجربة مهنية في إطار برنامج «أول عقد شغل»، مع مواكبة نحو 60 ألف مقاولة عبر آليات الاحتضان والتمويل والضمان والولوج إلى الأسواق.

ولا يتوقف التصور عند حدود السوق الوطنية، إذ يقترح الحزب تنظيم الهجرة المهنية عبر اتفاقيات مع البلدان التي تعرف خصاصا في بعض المهن، مستهدفا توفير حوالي 125 ألف فرصة للحركية القانونية، بما يحول الهجرة، وفق تصوره، من ملف اجتماعي وأمني إلى مسار منظم لاكتساب الخبرات والكفاءات.

كما يتعهد بمنح قروض بدون فائدة لفائدة الشباب القروي حاملي المشاريع الفلاحية، مع هدف استقرار 80 ألف شاب في العالم القروي، فضلا عن إتاحة حوالي 250 ألف عملية حركية مهنية خلال خمس سنوات في إطار ما يسميه «جواز الحركية المهنية».

وفي ارتباط بارتفاع كلفة السكن وصعوبة الاستقرار بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب، يدرج الحزب ضمن برنامجه توفير حوالي 100 ألف حل سكني بين سنتي 2027 و2031، تشمل مساكن إيجارية صغيرة وإقامات موجهة إلى الشباب.

ويحدد الأصالة والمعاصرة لنفسه هدفا أكثر طموحا في خفض البطالة، من خلال الانتقال من معدل عام يبلغ 10.8 في المائة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031، بالتوازي مع رفع نسبة نشاط النساء من 17.5 في المائة إلى 21.2 في المائة.

ولتقوية دور المقاولات الصغيرة في خلق فرص الشغل، يقترح الحزب إعفاء المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا من الضريبة لمدة خمس سنوات مقابل إحداث ثلاثة مناصب شغل، إلى جانب تخصيص حصة تبلغ 15 في المائة من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، ورصد 1.2 مليار درهم سنويا في شكل قروض موجهة إلى الشباب بالعالم القروي.

أما حزب الاستقلال، ثالث مكونات الأغلبية الحكومية، فقد اختار مقاربة مختلفة نسبيا، إذ لم يربط برنامجه بالتزام صريح بإحداث مليون منصب شغل، لكنه قدم حزمة من البرامج والآليات التي يقول إنها تستهدف تسهيل دخول الشباب إلى سوق العمل وتحسين فرصهم في الحصول على تجربة مهنية أولى.

ومن أبرز هذه المقترحات برنامج «تجربتي»، الذي يستهدف حاملي الشهادات وخريجي الجامعات والتكوين المهني، من خلال تمكينهم من خوض تجربة مهنية أولى مؤطرة تتراوح مدتها بين ستة و18 شهرا داخل المقاولات أو الإدارات أو الجماعات الترابية، مع تعويض مالي وتغطية اجتماعية.

كما يقترح الحزب برنامج «آفاق»، الذي يقوم على التزام بألا يبقى أي شاب أو شابة خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر، عبر تقديم عرض يتناسب مع وضعية كل مستفيد، سواء تعلق الأمر بفرصة عمل أو تدريب أو تكوين أو مواكبة لإنشاء مشروع أو خدمة مدنية مؤدى عنها.

ويولي البرنامج اهتماما خاصا بالشباب غير المتمدرسين وغير المشتغلين وغير المستفيدين من التكوين، مع اقتراح آليات للرصد والتوجيه المبكر، وتعبئة الفاعلين الترابيين والمؤسسات العمومية والجمعيات من أجل التدخل قبل تحول وضعية البطالة إلى إقصاء طويل الأمد من سوق العمل.

وفي ظل التحول المتسارع الذي تعرفه سوق الشغل العالمية، يراهن حزب الاستقلال بدوره على الاقتصاد الرقمي، من خلال برنامج «100 ألف موهبة رقمية»، الذي يستهدف تكوين وتأهيل 100 ألف شاب وشابة في مجالات العمل عن بعد والعمل الحر، خصوصا في البرمجة والذكاء الاصطناعي والتواصل والترجمة والخدمات التقنية والرياضيات الإلكترونية.

ويستهدف البرنامج، وفق التصور المعلن، تمكين جيل جديد من المستقلين من تصدير خدماتهم رقميا من داخل المغرب، بما يفتح أمام الشباب فرصا لا ترتبط بالضرورة بموقع جغرافي محدد أو بالحضور داخل مقرات الشركات والمؤسسات.

كما يتضمن البرنامج مقترحا يحمل اسم «بداية»، يهدف إلى مساعدة الشباب على التنقل بحثا عن فرص التكوين والتدريب والتشغيل، من خلال المساهمة في تحمل تكاليف التنقل والسكن المؤقت بالنسبة إلى الذين تضطرهم فرص العمل أو التكوين إلى مغادرة مناطقهم الأصلية.

وفي المناطق القروية وشبه الحضرية، يقترح الحزب برنامج "رواد التنمية"، الذي يتيح للشباب التطوع لمدة سنة أو سنتين في مشاريع تنموية مرتبطة بالتعليم والصحة والتأطير، مقابل تعويض شهري ومنحة مخصصة لتمويل الدراسة بعد استكمال فترة الخدمة.

ولا يفصل حزب الاستقلال بين محاربة البطالة وإصلاح منظومة التكوين، إذ يتعهد بإعادة هيكلة التكوين المهني وربطه بشكل أكبر بالمقاولة الجهوية وحاجيات سوق الشغل الدولي، عبر مسارات تكوينية قصيرة ومرنة تتراوح مدتها بين ستة و12 شهرا، مع اعتماد التكوين على تشخيص جهوي لحاجيات سوق العمل.

كما يقترح إحداث أكاديميات جهوية للتدبير المحلي لتأهيل كفاءات شابة وتطوير قدراتها الشخصية والتدبيرية، إلى جانب إحداث مرصد وطني لاستشراف المهن والكفاءات، يتولى استشراف حاجيات سوق الشغل خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، بهدف ربط العرض الجامعي والتكويني بالتحولات المنتظرة في الاقتصاد.

ويضيف الحزب إلى ذلك منظومة وطنية للاعتراف بالكفاءات المكتسبة، تتيح، حسب برنامجه، لأصحاب الخبرات المهنية والحرفية الذين لا يتوفرون على شهادات أكاديمية الحصول على شهادات مهنية معتمدة، بما يوسع فرص إدماجهم في سوق الشغل.

وبين وعود بمليون منصب شغل، وأهداف لخفض البطالة إلى 7 أو 9 في المائة، وبرامج تستهدف مئات الآلاف من الشباب، وقروض لفائدة المقاولات وحاملي المشاريع، وتكوينات رقمية وهجرة مهنية منظمة، تبدو ورقة التشغيل حاضرة بقوة في عروض أحزاب الأغلبية قبيل الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

آخر الأخبار