تسقيف المحروقات.. البام ورهان إنهاء أكبر معضلة أمام الحكومة المقبلة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تشهد الساحة السياسية المغربية دينامية متسارعة تعكس حدة التنافس بين مختلف الأحزاب، في سياق تسعى فيه التنظيمات السياسية إلى تعزيز حضورها الميداني وتكثيف خطابها الموجه للناخبين، أملاً في كسب ثقة فئات واسعة من المواطنين الباحثين عن إجابات ملموسة لتحدياتهم اليومية.
وتتجه ملامح هذه المرحلة نحو مزيد من الاستقطاب السياسي، حيث تحاول الأحزاب، سواء ضمن الأغلبية الحكومية أو في صفوف المعارضة، تقديم تصورات وبرامج انتخابية تلامس القضايا الاجتماعية والاقتصادية الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وكلفة المعيشة التي أصبحت محوراً مركزياً في النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، عاد ملف المحروقات إلى واجهة الجدل السياسي مع انطلاق الحملة الانتخابية، ليشكل أحد أبرز عناوين المواجهة بين الفرقاء السياسيين، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود رغم التغيرات التي شهدتها الأسواق الدولية خلال الفترة الأخيرة. هذا الوضع أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية آليات ضبط السوق، وحدود تدخل الدولة في قطاع حيوي يؤثر بشكل مباشر على مختلف مناحي الاقتصاد الوطني.
ويكتسي هذا الملف حساسية خاصة بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية، فضلاً عن تأثيره على كلفة النقل والإنتاج، ما يجعله عاملاً محدداً في تقييم السياسات العمومية المرتبطة بالتوازنات الاقتصادية والاجتماعية. كما أتاح هذا النقاش للأحزاب فرصة إعادة إحياء ملفات ظلت مثار جدل منذ قرار تحرير أسعار المحروقات، وسط مطالب متزايدة بإعادة النظر في نموذج تدبير القطاع.
في خضم هذا النقاش، برزت مواقف حزب الأصالة والمعاصرة الذي يسعى إلى جعل ملف تسقيف أسعار المحروقات أحد محاور برنامجه الانتخابي، باعتباره مدخلاً لمعالجة اختلالات السوق وحماية القدرة الشرائية. وفي هذا الإطار، أكدت قيادات بالحزب أن التجربة الحكومية السابقة مكنت من تشخيص عدد من الإكراهات البنيوية، معتبرة أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من التشخيص إلى تقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ.
ويطرح الحزب، ضمن تصوراته، خيار توسيع الوعاء الجبائي كآلية لتمويل التزاماته الاجتماعية، مع الدعوة إلى فرض ضرائب على الأرباح المرتفعة التي تحققها بعض الشركات، في خطوة تهدف إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة الجبائية وتوفير موارد إضافية لخزينة الدولة. ويرى أن هذا التوجه يمكن أن يشكل رافعة لتمويل برامج اجتماعية، من بينها آليات الدعم المباشر للأسر.
كما يتقاطع هذا الطرح مع الدعوة إلى تسقيف أسعار المحروقات، في محاولة لضبط تقلبات السوق والحد من تأثيرها على المستهلكين، إلى جانب إصلاحات أوسع للنظام الضريبي تستهدف تحقيق توازن بين تحفيز الاستثمار وضمان الإنصاف الضريبي. ويؤكد المدافعون عن هذا الخيار أن نجاحه رهين بإرساء آليات فعالة للمراقبة وتفادي أي ممارسات احتكارية قد تعرقل تحقيق أهدافه.
وفي ما يتعلق بملف مصفاة “لاسامير”، يظل النقاش مفتوحاً حول سبل إعادة تشغيلها، في ظل اعتبارات معقدة تتعلق بضمان التنافسية ومنع الاحتكار، فضلاً عن ضرورة احترام معايير السلامة والأمن الصناعي. ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره جزءاً من معادلة أوسع ترتبط بالسيادة الطاقية وقدرة المغرب على تأمين حاجياته من المواد البترولية.
ويمتد النقاش أيضاً إلى كلفة الطاقة بشكل عام، حيث تطرح تساؤلات حول إمكانية تخفيف العبء عن الأسر، خصوصاً من خلال مقترحات تتعلق بدعم فواتير الكهرباء للفئات ذات الاستهلاك المحدود.
ويعكس هذا التوجه رغبة في تحقيق توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضمان العدالة الاجتماعية، في أفق بناء نموذج تنموي أكثر استدامة.
في المحصلة، يبدو أن ملف المحروقات سيلعب دوراً محورياً في رسم ملامح التنافس الانتخابي المقبل، باعتباره قضية تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يجعله اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب على تقديم حلول واقعية تستجيب لانتظارات المواطنين وتعزز الثقة في العمل السياسي.