المغرب وصحيفة "El Pais".. حين تتحول الصحافة إلى قوالب استعمارية
سمير الحيفوفي
ليس مشكلا أن تناقش صحيفة "El Pais" الإسبانية، الصلاحيات الدستورية للمؤسسة الملكية في المغرب، أو تطرح أسئلة بشأن حضور الملك في المجال العام في البلد الجار الجنوبي، لكن ما اقترفه "Juan Carlos Sanz"، مراسلها في الرباط، يندرج ضمن صيرورة يعتمدها الإعلام هناك متى اشتد عليه الحال في محاولة منه إعادة إنتاج صور نمطية قديمة عن المغرب ومؤسساته ومجتمعه.
وبعيدا عن أدبيات الصحافة ومستندات التحليل ومسوغات ترتيب التوازن في التناول، اختار المراسل أقصر الطرق وهو يبتدع مقالا اختزل فيه الدولة المغربية في الملك ومستشاريه والأجهزة الأمنية، متجاهلا أن المملكة بلد المؤسسات وتحتكم في تدبير شؤونها إلى دستور 2011 المتقدم كثيرا بما يجعل المملكة جنة الديمقراطية في جوار غارق في الديكتاتورية من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.
وفي مقال ينم عن "خفة" معهودة من أمثال المراسل الذين يكتبون ما يخدم الرؤية المتعالية، تجاهل "Juan Carlos Sanz"، كل من الحكومة والبرلمان والقضاء والإدارة والمؤسسات الدستورية والأحزاب والنقابات والمنظمات المهنية والمدنية، ليصنع صورة كاريكاتورية وهو ينسب كل ما يقع في المغرب إلى إرادة مركزية واحدة، وبأن ما دون المؤسسة الملكية مجرد ديكور سياسي.
وحتما يغيب عن مراسل "El Pais"، أن الدولة المغربية ليست جهازا بسيطا يتحرك بأمر واحد، بقدر ما هي تشكيل مؤسساتي تتداخل داخله مستويات متعددة من السلطة والمسؤولية، ولو أسعف المنطق قليلا وراجع دستور المملكة لوقف على أن هناك قرارات استراتيجية وسيادية تندرج ضمن الاختصاصات الملكية، مثلما هناك سياسات عمومية مسنود رسمها وتنزيلها إلى الحكومة.
ولو ثبت قليلا وفقه نفسه ببعض الاطلاع لوجد أن في المغرب سلطة تشريعية تتمثل في البرلمان وسلطة قضائية تفصل بين السلطة التنفيذية والتشريعية، وبين الناس على حسب أنواع القضاء ودرجات التقاضي، مثلما هناك قرارات تتخذها الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والهيئات الدستورية، في ترتيب أكيد لمشهد مغربي كبير يتداخل فيه الجميع مع الاحتفاظ لكل من الجميع بما له وما عليه.
لقد تجاهل المستصحف المستبصر كل هذه المستويات وهو يظن نفسه ينتج تحليلا نقديا، ولينتج مسحا صحفيا كانت غايته الأولى من ورائه تصوير "النظام المغربي" وكأنه مفتاح جاهز لتفسير كل شيء، من السياسة الخارجية إلى أزمة اجتماعية محلية، ومن قرارات الحكومة إلى سلوك جهاز إداري أو أمني، وهي مقاربة لا تنفك عن الغبش الذي يستبد ببعض وسائل الإعلام الإسبانية، خصوصا عند تناول الملفات المرتبطة بسبتة ومليلية المحتلتين والعلاقات الثنائية وقضايا الهجرة والسيادة.
وكلما اشتد أوار الخلاف بين المغرب وجارته الشمالية، انبرى بعض الإعلام الإسباني إلى دهس الهامش الفاصل بين الصحافة والخطاب السياسي، ولتصبح المواد المنشورة امتدادا للسجال الدبلوماسي، بحيث لا يعود المغرب موضوعا للفهم والتحليل، بقدر ما يجري تنصيبه خصما تنبغي إدانته، ولو أن كل الدلائل الثابتة والحجج الدامغة تفند الادعاءات التي تهيج الصراع الحزبي في إسبانيا وتشكل بوادر تسخينات قبلية لاستحقاقات 2027.
إن من حق مراسل "El Pais"، أن يبحث في المسؤوليات المحتملة عن أحداث سبتة المحتلة متم شهر يوليوز الماضي، وأن يسائل المؤسسات المغربية والإسبانية، ويستمع إلى المهاجرين والشهود والمسؤولين والخبراء، لكن اتهام دولة بتنظيم نزوح جماعي يحتاج إلى تحقيق ميداني وأدلة ووثائق وشهادات متقاطعة، وليس إلى مقال أجوف عن طبيعة النظام السياسي المغربي، وحتى الحديث عن اتساع صلاحيات الملك لا يثبت، في حد ذاته، صدور قرار محدد، ولا يحدد المسؤولين عن تنفيذه، ولا يقدم دليلا على وجود خطة منظمة.
لكن وكديدن المشحونين بالعداء للمغرب والمتيمين باجترار الأحكام الجاهزة، فكلما غابت الأدلة تصبح الصورة النمطية بديلا عنها، وهو توجه مقولب ومحضَّر في جانب من الخطاب الإعلامي الإسباني، الذي يقدم المغرب على أنه سلطة بلا مجتمع، وملكا بلا مؤسسات، وشعبا بلا إرادة مستقلة، ويذوب ضمن كل هذا كل مشتملات المشهد السياسي المغربي، لتوليد صورة جامدة تختزل ملايين المغاربة في كتلة واحدة تنتظر التعليمات.
إن العلاقات المغربية الإسبانية، بحكم الجوار والتاريخ وتشابك المصالح، تستحق صحافة أكثر معرفة وعمقا، لا صحافة تتحكم فيها الأهواء وتكد السعي لتهيئ المتلقي الأوروبي للنظر إلى المغاربة من موقع الاستعلاء، بوصف المغرب أرضا بلا مؤسسات حقيقية ولا مجتمع منظم، ولترسيخ صورة المواطن المغربي كفرد عاجز عن التفكير والفعل، تتحكم فيه سلطة مطلقة.
لقد كان حريا مراسل "El Pais"، وهو يشتغل من العاصمة الرباط، أن يستثمر قربه من الميدان لتقديم ما لا يستطيع محررو هيئة التحرير المركزية في إسبانيا الوصول إليه، لكنه اختار تصدير القوالب الجاهزة نفسها من العاصمة المغربية، لأنه يصر على رؤية الجار الجنوبي بعين واحدة، ليقدم للآخرين المغرب الذي يسكن مخيلته، لا المغرب الموجود حقا على الأرض.