حرائق الأسواق العشوائية بالبيضاء تعيد ملف السلامة إلى الواجهة.. وتضع المنتخبين تحت الضغط
عاد ملف الأسواق غير المهيكلة بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش المحلي، عقب اندلاع حريق جديد بسوق المسيرة التابع لعمالة مقاطعات مولاي رشيد، في حادث خلف خسائر مادية مهمة وأعاد طرح علامات استفهام حول مدى احترام شروط السلامة والوقاية داخل عدد من الفضاءات التجارية التي تعرف انتشاراً واسعاً للأنشطة العشوائية.
واندلع الحريق خلال الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين، حيث انتشرت النيران بسرعة بين عدد من المحلات، خاصة تلك التي تنشط في بيع الأثاث والمواد الخشبية، وهي مواد ساهم وجودها في تغذية النيران واتساع رقعة الحريق، وسط حالة من الاستنفار بالمنطقة.
ومباشرة بعد توصلها بالإخبار، تدخلت السلطات المحلية والمصالح الأمنية وعناصر الوقاية المدنية، التي سخرت مختلف الوسائل المتاحة لمحاصرة الحريق والسيطرة عليه، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات ميدانية لمنع وصول النيران إلى المنازل والمباني المجاورة، في وقت أثارت فيه أعمدة الدخان وألسنة اللهب حالة من الخوف وسط سكان المنطقة.
ولا يمثل الحادث واقعة معزولة بالنسبة إلى سوق المسيرة، إذ سبق أن شهد الفضاء ذاته حرائق في مناسبات سابقة، كما توصلت الجهات المنتخبة على مستوى مقاطعة مولاي رشيد بشكايات مرتبطة بوضعية السوق والمخاطر التي قد تترتب عن استمرار عدد من مظاهر العشوائية، وهو ما يعيد إلى الواجهة التساؤلات بشأن طبيعة التدخلات التي تم القيام بها ومدى فعاليتها في معالجة مكامن الخطر.
وتتداخل عوامل عدة في ارتفاع مخاطر اندلاع الحرائق داخل الأسواق غير المهيكلة، من بينها وضعية بعض الشبكات الكهربائية والتوصيلات العشوائية، وغياب التجهيزات الكافية للوقاية، فضلا عن تكدس مواد قابلة للاشتعال وصعوبة الولوج إلى بعض المحلات عند وقوع الطوارئ.
كما يطرح غياب مسالك واضحة للإخلاء ووسائل الإنذار والإطفاء الأولية إشكالات إضافية أمام عمليات التدخل السريع.
وأعاد الحريق أيضا النقاش حول مسؤولية مختلف المتدخلين في تدبير هذه الفضاءات، بعدما طالبت فعاليات مدنية ومحلية بتوسيع نطاق التحقيق ليشمل الجوانب التقنية والإدارية المرتبطة بسلامة السوق، مع إخضاع الشبكات والتجهيزات لعمليات مراقبة دورية، وتحديد مكامن الخلل التي قد تكون وراء تكرار مثل هذه الحوادث، بدل الاكتفاء بالتعامل مع آثارها بعد وقوعها.
ويأتي ذلك في وقت تعرف فيه الدار البيضاء تحركات ميدانية لإعادة تنظيم عدد من الأسواق والنقط التجارية التي ظلت لسنوات خارج الإطار المنظم، ضمن توجه يروم الحد من مظاهر احتلال الملك العمومي وإعادة هيكلة الأنشطة التجارية غير المهيكلة، وهي عملية تفرض في المقابل توفير فضاءات بديلة تراعي شروط السلامة وتحافظ على مصادر رزق الأسر التي تعتمد على هذه الأنشطة.
كما سبق لوالي جهة الدار البيضاء-سطات، محمد امهيدية، أن أصدر تعليمات إلى رؤساء المقاطعات والسلطات المحلية من أجل تسريع وتيرة التدخلات المرتبطة بالحد من مظاهر العشوائية في الأسواق، في وقت يزداد فيه الضغط على المجالس المنتخبة لتقديم حلول عملية لملف ظل لسنوات من أكثر الملفات تعقيداً داخل العاصمة الاقتصادية، بالنظر إلى ارتباطه بالتنظيم الحضري والسلامة العامة والأنشطة الاقتصادية غير المنظمة.
ويعيد توالي الحرائق، سواء بسوق المسيرة أو بسوق القريعة أو بفضاءات تجارية أخرى، طرح الحاجة إلى معالجة شاملة للظاهرة، تجمع بين إعادة الهيكلة وتوفير بدائل منظمة للتجار وتشديد المراقبة الوقائية وتأهيل البنيات والتجهيزات، خصوصا أن استمرار الوضع الحالي يبقي السكان والتجار على حد سواء أمام مخاطر متكررة قد تتحول في أي لحظة إلى حوادث أكثر خطورة.
ومع انتهاء الانتخابات التشريعية، يجد المنتخبون على مستوى دوائر الدار البيضاء، أنفسهم أمام ملف لم يعد مرتبطاًد فقط بتنظيم الأسواق أو تحرير الملك العمومي، بل أصبح متصلاً بشكل مباشر بسلامة المواطنين وحماية الممتلكات.
ومن شأن استمرار هذه الحوادث أن يبقي ملف الأسواق العشوائية حاضراً في تقييم تدبير الشأن المحلي، خصوصاً مع تصاعد المطالب بالانتقال من التدخلات الظرفية إلى حلول دائمة تضع السلامة وإعادة التنظيم في صلب أي تصور لمستقبل هذه الفضاءات التجارية.