المنصوري أمام رهان خريطة سياسية جديدة.. ومشاورات التحالف الحكومي تستنفر الأحزاب
دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة عقب تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي أعادت ترتيب موازين القوى بين الأحزاب، وفتحت الباب أمام مشاورات سياسية واسعة لتحديد ملامح الأغلبية المقبلة وموقع مختلف القوى داخل الحكومة أو المعارضة.
وجاء التعيين الملكي للمنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ليضع الحزب المتصدر للانتخابات أمام مسؤولية الانتقال من مرحلة المنافسة الانتخابية إلى مرحلة تدبير المفاوضات السياسية، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى بناء أغلبية قادرة على ضمان الانسجام السياسي والبرلماني للحكومة المقبلة.
وعقب استقبالها من طرف الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط، تتجه المنصوري لمباشرة مرحلة جديدة تتعلق بتشكيل الفريق الحكومي، في سياق سياسي تحكمه نتائج اقتراع 23 شتنبر، التي منحت الأصالة والمعاصرة صدارة مجلس النواب بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا.
وأفرزت الانتخابات كذلك تحولات لافتة في مواقع عدد من الأحزاب، إذ رفع حزب العدالة والتنمية رصيده إلى 54 مقعدا بعدما كان قد حصل على 13 مقعدا في انتخابات 2021، فيما حصدت الحركة الشعبية 29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية 19 مقعدا، والاتحاد الدستوري 17 مقعدا، إلى جانب المقاعد التي توزعت بين باقي القوى السياسية.
وتضع هذه النتائج المنصوري أمام مهمة سياسية دقيقة، لا تتعلق فقط بتجميع العدد الكافي من المقاعد لتشكيل الأغلبية، وإنما تمتد إلى التوفيق بين مواقف الأحزاب وطموحاتها وشروطها السياسية، بما يسمح بإخراج تحالف حكومي يحظى بالدعم البرلماني اللازم ويستند إلى أرضية مشتركة بين مكوناته.
وفي هذا السياق، تستعد مجموعة من الأحزاب لعقد اجتماعاتها التنظيمية خلال الأيام المقبلة، من أجل تحديد مواقفها من المشاركة في الحكومة الجديدة، في وقت بدأت فيه المشاورات السياسية تفرض نفسها باعتبارها العنوان الأبرز للمرحلة التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات.
ويبرز حزب التجمع الوطني للأحرار برئاسة محمد الشوكي، ضمن القوى التي ينتظر أن تحدد موقفها من المرحلة المقبلة عبر مؤسساته التنظيمية، إذ يرتقب أن يناقش مكتبه السياسي مستجدات الوضع السياسي، قبل إحالة قرار المشاركة في الحكومة على المجلس الوطني للحزب، في حال توصل بعرض للمشاركة من قيادة الأغلبية المقبلة.
أما حزب الاستقلال، فقد اختار بدوره إحالة القرار المتعلق بموقعه في الحكومة المقبلة على مجلسه الوطني، بعدما قررت لجنته التنفيذية عقد دورة تنظيمية يوم السبت 3 أكتوبر 2026، وهي محطة يفترض أن تتيح للحزب تقييم نتائج الانتخابات والتداول في خياراته خلال المرحلة السياسية الجديدة.
ويأتي ذلك بعدما أفرزت الانتخابات حصول الاستقلال على 65 مقعدا، بفارق مقعد واحد عن التجمع الوطني للأحرار، بينما احتل الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى بـ97 مقعدا، وهو ما جعل الأحزاب الثلاثة في قلب النقاش المتعلق بالتركيبة المحتملة للأغلبية المقبلة.
وتبقى إمكانية استمرار صيغة التحالف التي جمعت الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال مطروحة ضمن السيناريوهات السياسية التي تفرضها الخريطة الانتخابية الجديدة، غير أن حسم التركيبة النهائية يظل مرتبطا بالمشاورات التي ستقودها رئيسة الحكومة المكلفة وبالمواقف التي ستتخذها المؤسسات التقريرية للأحزاب المعنية.
ولا تقتصر المشاورات على الأحزاب الثلاثة، إذ بدأت باقي القوى السياسية بدورها في رسم حدود تحركاتها وتحديد شروط انخراطها في المرحلة المقبلة، وهو ما يجعل تشكيل الحكومة عملية سياسية تتداخل فيها الحسابات العددية مع المواقف والبرامج والتوجهات التي تحملها مختلف التنظيمات.
وفي هذا الإطار، أبقى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المجال مفتوحا أمام إمكانية التنسيق مع عدد من الأحزاب، مع وجود موقف معلن يستبعد الدخول في تحالف مع حزب العدالة والتنمية، وهو ما يعكس سعي الحزب إلى تحديد موقعه في الخريطة السياسية الجديدة قبل اتضاح شكل الأغلبية الحكومية.
أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد ربط مشاركته الحكومية بمجموعة من القضايا السياسية التي يعتبرها أساسية، وفي مقدمتها تخليق الحياة العامة، وتعزيز الشفافية، والتصدي لتضارب المصالح والريع والفساد، فيما عبّر الحزب عن موقف يستبعد إمكانية التحالف مع التجمع الوطني للأحرار.
وتكشف هذه المواقف الأولية أن المفاوضات المقبلة لن تحسم فقط بمنطق احتساب المقاعد، إذ ستكون أمام رئيسة الحكومة المكلفة مهمة تقريب وجهات النظر بين أحزاب تختلف في شروطها السياسية وفي تصورها لموقعها داخل المرحلة المقبلة، بما يجعل مسار تشكيل الأغلبية مرتبطا بقدرة الأطراف على الوصول إلى أرضية مشتركة.
وفي الجهة المقابلة، اختار حزب العدالة والتنمية رسم موقعه السياسي في المرحلة المقبلة بشكل مبكر، بعدما أعلن أمينه العام عبد الإله بنكيران أن مشاركة الحزب في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة ليست ضمن الخيارات التي يتجه إليها، مبرزا توجه الحزب نحو الاصطفاف في المعارضة.
ويضع هذا الموقف حزب العدالة والتنمية خارج الحسابات الأولية المتعلقة بالأغلبية التي ستقود الحكومة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مواقف الأحزاب الأخرى ومدى استعدادها للمشاركة، وإلى طبيعة التفاهمات التي يمكن أن تتبلور خلال الأيام المقبلة.
ومع بداية المشاورات، تنتقل المنصوري إلى اختبار سياسي جديد، عنوانه الأساسي القدرة على بناء أغلبية منسجمة انطلاقا من خريطة انتخابية مختلفة عن تلك التي أفرزتها انتخابات 2021، في وقت سيكون فيه نجاح المفاوضات مرتبطا بالتوفيق بين الحسابات العددية والمواقف السياسية والاختيارات البرنامجية للأحزاب المعنية.
وبين اجتماعات المكاتب السياسية ودورات المجالس الوطنية ومواقف القيادات الحزبية، تتجه الساحة السياسية نحو مرحلة من النقاش المكثف حول شكل الحكومة المقبلة وتركيبتها، بينما تبقى الكلمة الفصل في رسم ملامح الأغلبية رهينة بما ستفرزه المشاورات من تفاهمات بين رئيسة الحكومة المكلفة والقوى السياسية التي تمتلك مفاتيح تشكيل الأغلبية البرلمانية.
ومن المنتظر أن تكشف الأيام المقبلة بصورة أوضح طبيعة التحالفات الممكنة، وموقع كل حزب داخل الخريطة الجديدة، في وقت تبدأ فيه المنصوري مهمة الانتقال من صدارة النتائج الانتخابية إلى بناء فريق حكومي قادر على جمع الأغلبية البرلمانية حول برنامج مشترك، لتدخل بذلك الحياة السياسية المغربية مرحلة جديدة عنوانها الأبرز مفاوضات تشكيل الحكومة وإعادة ترتيب مواقع الأغلبية والمعارضة.