ثلاث حقائب وزارية ثقيلة تضع التحالف الحكومي أمام اختبار التوافق
دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، عقب تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة من طرف الملك محمد السادس، يوم أمس الثلاثاء، وتكليفها بتشكيل الفريق الحكومي الجديد، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي أفرزت موازين جديدة داخل مجلس النواب.
وتأتي هذه الخطوة في سياق سياسي يتسم بتعدد السيناريوهات الممكنة لتشكيل الأغلبية، بعدما أفرز اقتراع 23 شتنبر خريطة حزبية جديدة تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً، والحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً، والاتحاد الدستوري على 17 مقعداً، بينما توزعت باقي المقاعد بين عدد من الأحزاب والتحالفات السياسية.
ولا تبدو مهمة رئيسة الحكومة المكلفة مقتصرة على جمع العدد الكافي من المقاعد لتشكيل أغلبية برلمانية، إذ تفرض طبيعة المرحلة أيضا البحث عن صيغة تضمن قدراً من الانسجام السياسي داخل الحكومة، خصوصا في ظل تعدد الأحزاب التي يمكن أن تدخل دائرة التفاوض، واختلاف طموحاتها بشأن حضورها داخل الفريق الحكومي المقبل وموقعها في هندسة الأغلبية.
وفي هذا السياق، شرعت المنصوري في عقد سلسلة من اللقاءات مع قيادات الأحزاب السياسية، حيث شملت المشاورات كلاً من حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، في انتظار توسيع دائرة الاتصالات خلال الأيام المقبلة لتشمل باقي المكونات التي يمكن أن تكون معنية بالتركيبة الحكومية المقبلة.
وبينما تتركز المشاورات في مرحلتها الأولى على طبيعة التحالفات الممكنة وترتيبات الأغلبية، بدأ نقاش موازٍ يبرز بشكل متزايد حول توزيع الحقائب الوزارية، باعتبار أن الانتقال من التفاوض حول المشاركة السياسية إلى التفاوض حول القطاعات الحكومية قد يكون أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى الوزارات التي ترتبط بقرارات اقتصادية واجتماعية مباشرة وبملفات استراتيجية ذات امتدادات واسعة.
وتشير تقديرات متداولة في أوساط سياسية إلى أن عدداً من القطاعات الوزارية الثقيلة قد يتحول إلى نقطة تفاوض حساسة بين مكونات الأغلبية المحتملة، في مقدمتها وزارة الفلاحة والصيد البحري، ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي، ووزارة الاقتصاد والمالية، وهي قطاعات ظلت خلال الولاية الحكومية السابقة مرتبطة بموازين دقيقة داخل التحالف الثلاثي الذي جمع التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال.
وتزداد حساسية هذه الحقائب بالنظر إلى أن النقاش بشأنها لا يرتبط فقط باسم الوزير الذي سيتولى مسؤوليتها، وإنما أيضاً بالتصور السياسي لتدبيرها، وطبيعة الأولويات التي ستعتمدها الحكومة المقبلة، وحجم الصلاحيات المرتبطة بكل قطاع، فضلاً عن الوزن السياسي الذي تمنحه بعض الوزارات للأحزاب التي تشرف عليها داخل الأغلبية.
وفي مقدمة القطاعات التي بدأت تثير اهتماماً خاصاً، تبرز وزارة الفلاحة والصيد البحري، بالنظر إلى ارتباطها بعدد كبير من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، من دعم العالم القروي والقطاع الفلاحي، إلى تدبير الموارد البحرية، مرورا بالاستثمارات والبرامج المرتبطة بالأمن الغذائي والتنمية الفلاحية.
ويجعل هذا الامتداد القطاعي الحقيبة واحدة من أكثر الوزارات التي يمكن أن تستقطب اهتمام الأحزاب المتفاوضة حول تشكيلة الحكومة المقبلة.
ويأتي هذا النقاش في وقت بدأت فيه داخل حزب الأصالة والمعاصرة أصوات سياسية ترفع سقف النقاش بشأن طبيعة توزيع القطاعات الحكومية، وتطرح ضرورة إعادة النظر في بعض الصيغ التي طبعت الولاية السابقة، وهو ما يجعل المفاوضات بشأن الحقائب الوزارية مرتبطة أيضاً بقراءة الأحزاب لتجربتها داخل التحالف السابق وما تعتبره نقاط قوة أو مكامن خلاف خلال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، قدم هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال مشاركته في برنامج “نقطة إلى السطر”، إشارات واضحة بشأن القطاعات التي يمكن أن تكون موضع نقاش داخل المفاوضات المقبلة، مستحضرا طبيعة العلاقة التي جمعت مكونات التحالف الحكومي السابق، وما رافقها من نقاشات حول توزيع المسؤوليات والقطاعات والاختصاصات.
المهاجري وصف التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار بأنه قد يكون بمثابة “مغامرة”، رابطا ذلك، وفق التصريحات المنسوبة إليه، بما اعتبره تشبثاً من الحزب بعدد من القطاعات الحكومية ذات الوزن السياسي والاقتصادي، في إشارة إلى أن التفاوض حول الحقائب لن يكون منفصلاً عن النقاش بشأن موازين القوة داخل الأغلبية الجديدة.
وحضر ملف وزارة الاقتصاد والمالية بقوة في هذا النقاش، باعتبارها إحدى أكثر الحقائب تأثيراً في رسم التوجهات المالية والاقتصادية للحكومة، سواء تعلق الأمر بإعداد الميزانية، أو تدبير الموارد العمومية، أو تحديد الأولويات الاستثمارية والاجتماعية، أو مواكبة السياسات الاقتصادية الكبرى. ولذلك فإن تحديد الجهة الحزبية التي ستتولى هذه الوزارة قد يشكل واحداً من الملفات التي تستدعي مفاوضات دقيقة بين مكونات الأغلبية.
ويكتسي هذا المعطى أهمية إضافية في ظل الجدل السياسي السابق حول تدبير عدد من الملفات الاقتصادية، وما رافق العلاقة بين مكونات الأغلبية من تصريحات ومواقف متباينة بشأن بعض الاختصاصات والقطاعات، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤال ما إذا كانت الصيغة الحكومية المقبلة ستستمر على المنهج نفسه في توزيع القطاعات الاقتصادية الأساسية، أم أنها ستشهد إعادة ترتيب للمواقع والمسؤوليات.
أما وزارة الفلاحة والصيد البحري، فتبدو بدورها مرشحة لأن تكون إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات، بعدما جعل المهاجري مسألة استمرار تدبير القطاع من طرف الحزب نفسه موضوعاً للنقاش، معتبراً أن الوزارة تحتاج إلى تغيير في طريقة تدبيرها، ومتوقفاً عند طول الفترة التي ظل فيها القطاع مرتبطاً بحزب التجمع الوطني للأحرار.
وتكشف هذه التصريحات، بصرف النظر عن مآلاتها داخل المفاوضات الرسمية، عن وجود نقاش سياسي حول مبدأ تداول القطاعات الحكومية بين مكونات الأغلبية، ومدى إمكانية استمرار الأحزاب نفسها في الاحتفاظ بالوزارات ذاتها بعد انتقال المشهد السياسي إلى مرحلة جديدة. وهو نقاش يتجاوز الجانب الشكلي المرتبط بأسماء الوزراء ليطال طبيعة التوازنات التي ستقوم عليها الحكومة المقبلة.
ولا تقل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي حساسية عن القطاعين الاقتصادي والفلاحي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالسياسات الاجتماعية وبمستقبل المدرسة العمومية، فضلاً عن حجم الإصلاحات والملفات المطروحة أمامها.
ومن ثم، فإن التفاوض بشأن هذه الحقيبة قد لا ينحصر في مسألة إسنادها إلى حزب معين، بل يمكن أن يرتبط أيضاً بالتصور الذي ستتبناه الأغلبية الجديدة بشأن إصلاح منظومة التعليم ومواصلة الأوراش المفتوحة فيها.
ويفرض اختلاف طبيعة هذه القطاعات الثلاثة تعقيداً إضافياً على عملية توزيع الحقائب، فوزارة الاقتصاد والمالية ترتبط بمركز القرار المالي وتوجيه الموارد، ووزارة الفلاحة والصيد البحري تتقاطع مع قطاعات إنتاجية واستراتيجية واسعة، بينما تشكل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي أحد أبرز مداخل السياسة الاجتماعية. ولذلك فإن التوافق حولها قد يتطلب تسويات سياسية تتجاوز الحساب العددي للمقاعد البرلمانية.
وبينما تظل جميع السيناريوهات مفتوحة في هذه المرحلة، فإن التوافق حول الحقائب الوزارية الثقيلة سيظل أحد أبرز الاختبارات أمام رئيسة الحكومة المكلفة، في مسار تشكيل حكومة مطالبة بتحقيق التوازن بين التمثيلية السياسية والانسجام الداخلي والقدرة على تدبير الملفات الكبرى التي تنتظرها خلال المرحلة المقبلة.