اعتمادات بالملايين للحفلات والمواد الغذائية تشعل الجدل داخل مقاطعات الدار البيضاء
تشهد عدد من المقاطعات الكبرى بمدينة الدار البيضاء نقاشا سياسيا وتدبيريا متصاعدا، تزامنا مع انعقاد دورات المجالس المحلية ومناقشة مشاريع وبرامج مالية جديدة، وسط انتقادات من فرق المعارضة لطريقة ترتيب الأولويات وتوزيع الاعتمادات المرصودة لمختلف أوجه الإنفاق.
وأعادت هذه النقاشات عدداً من الملفات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي إلى الواجهة، بعدما تحولت بعض جلسات المجالس إلى مناسبة لطرح ملاحظات بشأن طبيعة المشاريع المبرمجة، وجدوى بعض الاعتمادات المالية، ومدى انسجامها مع الحاجيات اليومية للسكان، في وقت تتزامن فيه هذه التحركات مع مرحلة سياسية تشهد ارتفاعاً في منسوب التنافس على مستوى مدينة الدار البيضاء.
وفي مقاطعة عين الشق، اتخذ النقاش حول مشروع حساب نفقات المبالغ المرصودة برسم سنة 2027 طابعاً سياسياً واضحاً، بعدما انتقد أيمن بصير، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس المقاطعة، مضامين المشروع، معتبراً أن الصيغة المعروضة لا تقدم تصوراً متكاملاً لأولويات التنمية ولا تعكس، بحسب قراءته، رؤية واضحة لتدبير الإنفاق العمومي خلال المرحلة المقبلة.
وخلال دورة مجلس المقاطعة الاخيرة، حسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24، اعتبر بصير أن المشروع المالي كان يفترض أن يشكل ترجمة عملية لتصور واضح حول مستقبل عين الشق وحاجياتها، غير أن بعض بنوده لا تعكس، وفق موقف فريقه، منظوراً متكاملاً للإنفاق أو ترتيباً محدداً للأولويات، محذراً في الوقت نفسه من أن بعض الاختيارات المالية تكتسب حساسية خاصة لكونها تأتي في سنة ذات طابع انتخابي.
وركز رئيس فريق العدالة والتنمية بشكل خاص على مبلغ 400 مليون سنتيم المخصص لاقتناء المواد الغذائية لأهداف إنسانية، بعدما أوضح أن أعضاء المجلس تلقوا تبريراً يربط هذا الاعتماد بتنظيم المخيمات. غير أن هذا التفسير فتح، بالنسبة إليه، نقاشاً أوسع حول توقيت إدراج المبلغ وطبيعة هذا النوع من الإنفاق، خصوصاً أنه لم يكن، حسب ما عرضه خلال الجلسة، من الاعتمادات التي اعتادت المقاطعة إدراجها بالطريقة نفسها خلال السنوات الماضية.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن اعتراض المعارضة جاء بسبب بطريقة ترتيب وتوجيه الموارد المالية للمقاطعة، داعيا إلى إخضاع الإنفاق العمومي لحاجيات محددة وبرمجة واضحة، بعيداً عن أي اعتبارات مرتبطة بالظرفية الانتخابية.
وفي هذا السياق، اقترح فريق العدالة والتنمية حذف الاعتماد البالغ 400 مليون سنتيم المخصص للمواد الغذائية وإعادة توجيهه إلى مجالات أخرى اعتبرها أكثر ارتباطاً بالحاجيات اليومية للسكان، وفي مقدمتها صيانة الطرق وملاعب القرب.
كما انتقد بصير ما وصفه بإعادة توزيع وتفكيك هذا الاعتماد خلال مناقشته داخل اللجنة المالية، بعدما أضيفت مبالغ مرتبطة باقتناء عتاد الحفلات والتزيين، إلى جانب اعتمادات مخصصة لكراء عتاد الحفلات، فضلاً عن تخصيص 10 ملايين سنتيم للتنشيط الثقافي والفني وحوالي 100 مليون سنتيم لصيانة واقتناء العتاد.
وأعاد هذا التوزيع طرح سؤال الأولويات داخل المجلس، خصوصاً في ظل وجود حاجيات مرتبطة بالبنيات والخدمات المحلية، إذ اعتبر رئيس فريق العدالة والتنمية أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على قيمة كل اعتماد على حدة، وإنما يجب أن يمتد إلى تحديد المجالات التي تستحق أن تحظى بالأولوية في توجيه موارد المقاطعة.
وبناء على ذلك، دعا فريق العدالة والتنمية إلى الإبقاء على مشروع الميزانية وفق الصيغة التي قدم بها في اللجنة المالية، مع حذف مبلغ 400 مليون سنتيم من بند المواد الغذائية وتوجيهه إلى صيانة الطرق وملاعب القرب، معتبراً أن المسألة ترتبط، في جوهرها، بالمنهج الذي ينبغي اعتماده في تدبير المال العام وتحديد الحاجيات التي تستوجب التمويل.
وفي مقاطعة عين السبع، بدورها، طغت على الدورة الأخيرة مجموعة من الملاحظات التي طرحتها المعارضة بشأن تعثر بعض المشاريع وجدوى عدد من الاعتمادات المبرمجة، خصوصاً تلك المرتبطة بكراء معدات الحفلات واقتناء تجهيزات مختلفة.
واستحضر أعضاء بالمجلس مقترحات سبق تداولها خلال جلسة سابقة، من بينها مبلغ 100 ألف درهم، إلى جانب 200 ألف درهم مخصصة لاقتناء بعض المعدات، و400 ألف درهم لكراء معدات الحفلات، فضلاً عن 200 ألف درهم لكراء المعدات المعلوماتية، إضافة إلى 200 ألف درهم لاقتناء بعض الأشياء والهدايا، بعدما كان الاعتماد المخصص لهذا البند في حدود 100 ألف درهم.
وأثار توزيع هذه الاعتمادات نقاشاً بين أعضاء المجلس، حيث دعا متدخلون إلى إعادة النظر في بعض البنود وإعادة توجيهها نحو مصاريف اعتبروها أكثر ارتباطاً بالحاجيات العملية للمقاطعة، من بينها الاعتمادات الخاصة بالرايات والمناسبات الرسمية، في حين شدد آخرون على ضرورة تسجيل مختلف الملاحظات والمقترحات والتعامل معها بشكل عملي، مع التأكيد على أن الحسم في التعديلات والاعتمادات يبقى من اختصاص المجلس وفق المساطر المعمول بها.
وتخلل النقاش أيضاً طرح مواقف انتقدت بعض أوجه الإنفاق واعتبرها أحد المستشارين، من وجهة نظره، هدراً للمال العام. وتبقى هذه المواقف في حدود ما عبر عنه أصحابها خلال أشغال الجلسة، دون أن تتضمن المعطيات المتاحة ما يثبت بشكل مستقل هذه التوصيفات أو يحسم في مدى مطابقتها للواقع.
ولم يتوقف النقاش عند الاعتمادات المالية، بل امتد إلى موضوع سيارات الإسعاف والآليات التابعة لمقاطعة عين السبع، على خلفية واقعة مرتبطة بجنازة شهدتها المنطقة، بعدما أثيرت مسألة عدم استفادة المعنيين من سيارة الإسعاف التابعة للمقاطعة في تلك المناسبة، قبل اللجوء، وفق الرواية التي قدمت خلال النقاش، إلى سيارة إسعاف تابعة لمقاطعة أخرى.
وتكشف هذه النقاشات المتزامنة داخل مقاطعتي عين الشق وعين السبع عن اتساع دائرة الجدل حول طريقة تدبير الموارد المحلية، في ظل مطالبة فرق من المعارضة بإعادة ترتيب عدد من الأولويات وربط الإنفاق بشكل أكبر بالحاجيات اليومية للسكان، مقابل تمسك مكونات أخرى بضرورة مواصلة البرامج والاعتمادات التي تدخل ضمن اختصاصات المجالس المحلية.