انقسام حاد داخل البام.. بين رفض التحالف مع الأحرار ودعم خيار التفاوض
تتجه مشاورات تشكيل الحكومة المغربية المقبلة إلى مرحلة دقيقة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما كشفت أشغال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني المنعقدة اليوم السبت بالصخيرات عن تباين واضح في المواقف بشأن طبيعة التحالفات المنتظرة، وحدود الانفتاح على مختلف الأحزاب المشاركة في المشاورات.
وبينما برزت أصوات تدفع نحو إعادة ترتيب التحالفات بما ينسجم مع نتائج الانتخابات، اختارت أصوات أخرى التشديد على ضرورة ترك هامش أوسع للجهة المكلفة بالتفاوض، تفادياً للحسم المسبق في تركيبة الأغلبية المقبلة.
وتأتي هذه النقاشات في أعقاب الانتخابات التشريعية التي تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار الذي حل ثانياً بـ66 مقعداً، فيما جاء حزب الاستقلال ثالثاً بـ65 مقعداً.
وأعادت هذه النتائج ترتيب موازين القوى بين مكونات المشهد الحزبي، ووضعت "البام" أمام مسؤولية ترجمة تصدره للانتخابات إلى موقع سياسي داخل الحكومة المقبلة، في وقت أعلن فيه التجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة في الأغلبية الجديدة ومواصلة المساهمة في الأوراش والإصلاحات الحكومية.
وخلال أشغال المجلس الوطني للبام، اليوم السبت، برز موقف حميد التويزي، عضو حزب الأصالة والمعاصرة، ضمن النقاش المرتبط بالتحالفات المقبلة، حيث شدد في مداخلته على أن الحزب دخل فعلياً مرحلة المشاورات مع مختلف الأحزاب الممثلة.
وفي السياق نفسه، ركز التويزي على أن التحالفات المنتظرة لا يفترض أن تقوم فقط على الحسابات العددية المرتبطة بالمقاعد البرلمانية، وإنما ينبغي أن تراعي الانسجام بين مكونات الحكومة والمشروع المجتمعي والبرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة.
كما ارتبط النقاش الذي نقلته مداخلته بالحاجة إلى تشكيل حكومة سياسية قوية، قادرة على الاشتغال بكفاءة ونزاهة، بما يجعل معايير اختيار الشركاء جزءاً من النقاش الداخلي للحزب وليس مجرد نتيجة آلية لترتيب الأحزاب في الانتخابات.
وفي المقابل، اتخذ هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي للحزب، موقفاً أكثر وضوحاً من مسألة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار، إذ أعلن خلال الجلسة المغلقة رفضه لهذا الخيار، داعياً أعضاء المجلس الوطني إلى مساندة موقفه.
وربط المهاجري موقفه بالرسائل السياسية التي أفرزتها نتائج الانتخابات، معتبراً أن ترتيب القوى السياسية بعد الاقتراع ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد شكل الأغلبية الحكومية المقبلة، وهو الموقف الذي حظي بتفاعل داخل القاعة وتصفيق عدد من أعضاء المجلس الوطني.
ولم يقتصر هذا التوجه على المهاجري، إذ سارت نادية بزندفة في الاتجاه نفسه، معتبرة أن إعادة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار لا تنسجم، وفق قراءتها، مع ما أفرزته صناديق الاقتراع، حيث لا يجب إفراز نفس طريقة الاشتغال السابقة.
كما عبر متدخلون آخرون عن موقف مماثل، داعين إلى إعطاء نتائج الانتخابات مضمونا سياسيا وعدم الاكتفاء بإعادة إنتاج الصيغ السابقة، في مقابل أصوات داخل المجلس شددت على ضرورة عدم إغلاق باب التفاوض أمام أي طرف قبل انتهاء المشاورات.
وفي الجهة المقابلة، دعا الخطاط ينجا، عضو المكتب السياسي، إلى منح اللجنة المكلفة بالمشاورات مساحة أوسع للتحرك، محذراً من استبعاد أي طرف قبل بدء المفاوضات أو وضع شروط مسبقة قد تحد من قدرة اللجنة على التفاوض.
ويعكس هذا الموقف وجود اتجاه داخل الحزب يفضل ترك عملية تشكيل الأغلبية للقيادة المكلفة بالمشاورات، بالنظر إلى ما تتوفر عليه من معطيات سياسية وتفاوضية، بدلاً من فرض خيارات نهائية من داخل المجلس الوطني قبل استكمال الاتصالات مع الأحزاب.
وشهدت بداية الدورة بدورها نقاشاً حول حدود تدخل أعضاء المكتب السياسي في توجيه النقاش الداخلي، قبل أن تؤكد فاطمة الزهراء المنصوري أن أعضاء المكتب السياسي، باعتبارهم أعضاء في المجلس الوطني، يملكون الحق في التعبير عن مواقفهم ومناقشة الخيارات المطروحة.
وفي الوقت ذاته، برزت دعوات داخل الحزب إلى منح المنصوري، بصفتها رئيسة الحكومة المكلفة، هامشاً أوسع في قيادة المشاورات والتفاوض مع مختلف الأطراف، بما يتيح الوصول إلى صيغة حكومية تراعي مصلحة البلاد وموقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل الخريطة السياسية الجديدة.
ويطرح هذا التحول، وفق قراءات سياسية متداولة، احتمال انتقال التنافس بين الحزبين من حسابات المشاركة الحكومية إلى معركة تفاوضية حول القطاعات الاستراتيجية التي شكلت خلال الولاية السابقة مراكز نفوذ سياسي وتدبيري.
وتشير تحليلات عدد من الفاعلين السياسيين إلى أن ملف الحقائب الوزارية قد يتحول إلى أحد أبرز مصادر التوتر المحتمل بين الحزبين، خصوصاً في ظل اختلاف موقعيهما داخل الخريطة الانتخابية الجديدة، ورغبة الأصالة والمعاصرة في ترجمة تصدره إلى حضور وازن في مراكز القرار الحكومي.
مقابل تطلع التجمع الوطني للأحرار إلى الحفاظ على موقعه داخل الأغلبية المقبلة، والاستمرار في تدبير قطاعات راكم فيها تجربة حكومية خلال السنوات الماضية، على رأسها قطاعات وزارة الإقتصاد والمالية، والفلاحة والصيد البحري، وكذا وزارة التعليم الاولي والرياضة.