حقائب وازنة ظلت بيد “الأحرار” لسنوات.. مشاورات المنصوري تضع نفوذ "الحمامة" على المحك
دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المغربية المقبلة مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقلت من جس نبض الأحزاب واستكشاف مواقفها إلى نقاش أكثر ارتباطاً بهندسة الأغلبية المقبلة وتوزيع المسؤوليات والحقائب الوزارية، وسط مؤشرات على أن التركيبة الحكومية الجديدة قد لا تكون مجرد امتداد للصيغة السابقة، بل قد تحمل تغييرات في موازين النفوذ داخل عدد من القطاعات الأساسية.
وتواصل فاطمة الزهراء المنصوري، المكلفة بتشكيل الحكومة، لقاءاتها مع الأمناء العامين للأحزاب السياسية، في إطار جولة جديدة من المشاورات الرامية إلى بلورة أغلبية قادرة على الانسجام حول أولويات المرحلة المقبلة. وتأتي هذه الاتصالات في سياق سياسي أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي أعادت ترتيب عدد من موازين القوى وفتحت الباب أمام نقاش واسع حول شكل التحالف الحكومي المقبل وطبيعة الأحزاب التي ستشارك فيه.
وفي هذا الإطار، استقبلت المنصوري محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، بمقر حزب الأصالة والمعاصرة بالرباط، بعد سلسلة لقاءات شملت عدداً من الأمناء العامين، من بينهم محمد جودار، الأمين العام للاتحاد الدستوري، وعبد الصمد عرشان، الأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية، إلى جانب محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وإدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وبالتوازي مع الاتصالات السياسية، بدأت المفاوضات تقترب من الملفات الأكثر حساسية داخل أي عملية لتشكيل حكومة جديدة، وفي مقدمتها طبيعة الأغلبية وتوزيع الحقائب الوزارية والقطاعات التي ستؤول إلى كل حزب، خصوصاً أن الأحزاب المشاركة تسعى إلى ترجمة حضورها السياسي والانتخابي إلى مواقع مؤثرة داخل الجهاز التنفيذي.
وفي قلب هذا النقاش، يبرز مستقبل التجمع الوطني للأحرار، الذي ارتبط خلال السنوات الماضية بعدد من الوزارات ذات الوزن الاقتصادي والاستراتيجي، ما يجعل احتمال عدم مشاركته في الحكومة المقبلة، إذا تأكد، عاملاً قادراً على إعادة رسم خريطة توزيع عدد من القطاعات التي ظلت مرتبطة بالحزب أو بقياداته خلال مراحل متعاقبة.
ولا يتعلق الأمر فقط بعدد الحقائب التي يمكن أن يحصل عليها كل حزب، وإنما أيضاً بهوية القطاعات التي ستنتقل من يد إلى أخرى، وهو ما يمنح مفاوضات توزيع الوزارات بعداً سياسياً يتجاوز الحسابات العددية للأغلبية، خصوصاً في ما يتعلق بالوزارات ذات التأثير المباشر في الاقتصاد والمالية والفلاحة والسياحة.
وتدفع بعض المواقف السياسية التي رافقت المشاورات في اتجاه مراجعة الصيغة التي قامت عليها الأغلبية السابقة، مع اعتبار أن نتائج الانتخابات تستدعي إعادة ترتيب مواقع الأحزاب داخل الحكومة وعدم الاكتفاء بإعادة إنتاج التوازنات نفسها. وفي هذا السياق، برزت داخل عدد من الأحزاب، من بينها التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مواقف تؤكد الحاجة إلى صيغة حكومية مختلفة من حيث التركيبة وطريقة التدبير.
كما أظهرت النقاشات الداخلية لحزب التقدم والاشتراكية وجود توجه نحو دراسة المشاركة في الحكومة وفق شروط سياسية وبرنامجية، في وقت تتواصل فيه المشاورات لتحديد ملامح الأغلبية الجديدة. ويعكس هذا المعطى أن المفاوضات لا تدور فقط حول الدخول إلى الحكومة من عدمه، بل تشمل أيضاً طبيعة المشاركة وحدودها والقطاعات التي يمكن أن تشكل مدخلاً لترجمة الوزن السياسي لكل طرف.
وفي هذا السياق، عادت إلى الواجهة مسألة القطاعات التي ظل التجمع الوطني للأحرار حاضراً بقوة في تدبيرها خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها الاقتصاد والمالية والفلاحة والسياحة، وهي حقائب اكتسبت رمزية سياسية خاصة بالنظر إلى طول فترة ارتباط بعضها بالحزب وقياداته.
وتبدو وزارة الاقتصاد والمالية من أكثر الحقائب التي يمكن أن تشكل نقطة تفاوض رئيسية داخل المشاورات، بالنظر إلى موقعها في رسم السياسة المالية والاقتصادية للحكومة، وإعداد الميزانية، وتدبير الموارد العمومية، وتحديد الأولويات الاستثمارية والاجتماعية،حيث سبق تقلدها لسنوات كل من صلاح الدين مزوار، ومحمد بنشعبون، قبل أن تنتقل الوزارة إلى نادية فتاح العلوي مع تشكيل الحكومة المنتهية ولايتها.
وفي المقابل، تطرح وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات نفسها باعتبارها واحدة من أكثر القطاعات ارتباطاً بالتجمع الوطني للأحرار خلال السنوات الماضية، بالنظر إلى طول فترة حضور الحزب في تدبيرها.
فمنذ تعيين عزيز أخنوش وزيراً للفلاحة والصيد البحري سنة 2007، ظل القطاع تحت إشرافه خلال حكومات متعاقبة، قبل انتقاله إلى رئاسة الحكومة سنة 2021، لتستمر بعد ذلك في يد الأحرار عبر كل من محمد صديقي، ثم أحمد البواري.
وتأتي وزارة السياحة بدورها ضمن الحقائب التي قد تشهد إعادة ترتيب في حال تغيرت خريطة الأغلبية، حيث كانت الحقيبة كانت في يد كلا من نادية فتاح العلوي، ثم فاطمة الزهراء عمور التي تولت الوزارة منذ تشكيل حكومة 2021.
ونفس الأمر يتعلق في قطاع وزارة التعليم الأولي والتربية الوطنية والرياضة، بعدما كان الأحرار، حصل عليها في عهد الحكومة السابقة، عبر محمد سعد برادة
وفي المقابل، برزت أصوات داخل قيادة الاصالة والمعاصرة الذي سيقود الحكومة المقبلة، حيث قدم هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، إشارات واضحة بشأن القطاعات التي يمكن أن تكون موضع نقاش داخل المفاوضات المقبلة، مستحضرا طبيعة العلاقة التي جمعت مكونات التحالف الحكومي السابق، وما رافقها من نقاشات حول توزيع المسؤوليات والقطاعات والاختصاصات.
مؤكدا أن حقيبة وزارة الفلاحة والصيد البحري، من بين الحقائب الذي يجب تغييرها في أقرب الآجال، معتبراً أن الوزارة تحتاج إلى تغيير في طريقة تدبيرها، نظرا لبروز اختلالات عديدة في عهد حزب التجمع الوطني للأحرار.
ومع اقتراب المشاورات من مرحلة توزيع المواقع والحقائب، تتجه الأنظار بشكل خاص إلى مصير القطاعات التي شكلت خلال السنوات الماضية مجال حضور قوي للتجمع الوطني للأحرار، في انتظار أن تكشف المفاوضات النهائية ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستعيد إنتاج الخريطة الوزارية السابقة، أم ستفتح الباب أمام إعادة توزيع واسعة لمراكز القرار داخل الجهاز التنفيذي.