ملامح الأغلبية تتشكل.. قيادات "الكتاب" تميل لمغادرة المعارضة

الكاتب : انس شريد

06 October 2026 - 10:00
الخط :

بدأت ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة تتشكل تدريجيا، بالتزامن مع انتقال مشاورات تشكيل الحكومة إلى مرحلة أكثر دقة، بعدما شرعت الأطراف السياسية المعنية في مناقشة طبيعة التحالفات الممكنة وشروط المشاركة وموقع كل حزب داخل التركيبة الحكومية المرتقبة.

وفي هذا السياق، حسم حزب التقدم والاشتراكية جزءاً من موقفه السياسي، بعدما صادقت لجنته المركزية، اليوم الثلاثاء، بالإجماع على تفويض المكتب السياسي مواصلة المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة مع فاطمة الزهراء المنصوري، المكلفة بتشكيل الحكومة، واللجنة المرافقة لها، وذلك عقب نقاش داخلي مطول حول نتائج الانتخابات وموقع الحزب في المرحلة المقبلة.

وعكس النقاش الذي شهده اجتماع اللجنة المركزية ميلاً واضحاً داخل عدد من قيادات الحزب نحو خيار المشاركة في الحكومة، غير أن هذا التوجه لم يُطرح باعتباره قبولاً مفتوحاً بأي صيغة للتحالف، بل ارتبط بمجموعة من الشروط السياسية والبرنامجية التي يرى الحزب أنها ضرورية لضمان جدوى مشاركته وقدرته على التأثير في القرار العمومي.

وتتقاطع مواقف عدد من أعضاء المكتب السياسي والقيادات الحزبية حول فكرة أساسية تتمثل في أن المشاركة الحكومية ينبغي أن تكون وسيلة لتنفيذ البرنامج الانتخابي والمساهمة في تدبير الشأن العام، وليس مجرد انتقال من المعارضة إلى الأغلبية بحثاً عن مواقع داخل الجهاز التنفيذي.

وفي هذا الإطار، اعتبر سعيد الفكاك، عضو المكتب السياسي للحزب، أن خوض الانتخابات لم يكن غايته تسجيل الحضور داخل المؤسسات، وإنما الوصول إلى موقع يسمح بالمساهمة في تدبير الشأن العام وترجمة أفكار الحزب إلى سياسات عمومية. وأكد أن المشاركة الحكومية، في حال تم اعتمادها، ينبغي أن تتم وفق شروط واضحة تضمن للحزب هامشاً حقيقياً للتأثير وتنفيذ أولوياته.

ويرتبط هذا الموقف، بحسب النقاش الداخلي للحزب، بطبيعة التحالفات التي ستتشكل وبموقع التقدم والاشتراكية داخلها، إلى جانب طبيعة البرنامج الحكومي الذي سيحكم عمل الأغلبية المقبلة. كما يراهن الحزب على أن تحمل الحكومة الجديدة تصوراً سياسياً مختلفاً عن المرحلة السابقة، وأن تكون أكثر قدرة على معالجة الملفات الاجتماعية والديمقراطية والاقتصادية التي تشغل الرأي العام.

وشدد الفكاك كذلك على ضرورة أن تكون الحكومة المقبلة بعيدة عن تضارب المصالح، وأن تتوفر على نفس سياسي قادر على استعادة الثقة في العمل الحكومي والمؤسسات، معتبراً أن تكرار التجربة السابقة من دون مراجعة حقيقية في أسلوب التدبير والأولويات قد تكون له انعكاسات سلبية على موقع الحزب ومستقبله السياسي.

وفي الاتجاه نفسه، أبدى أحمد عبادي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، دعمه لخيار المشاركة، مستنداً إلى وجود عرض سياسي جدي، وإلى ما يعتبره نقاط تقاطع بين برنامج الحزب وبرنامج حزب الأصالة والمعاصرة، أحد أبرز الأطراف المعنية بتشكيل الأغلبية المقبلة.

ويرى عبادي أن طبيعة المرحلة تفرض حضوراً سياسياً قوياً داخل الحكومة، خصوصاً في ظل تراجع منسوب الثقة لدى جزء من المجتمع تجاه المؤسسات والأحزاب.

وفي المقابل، قال رشيد حموني، أن المشاركة في الحكومة تكتسب بالنسبة إلى التقدم والاشتراكية معنى يتجاوز الحصول على حقائب وزارية، لأنها تمثل، في حال تحققت، فرصة لتحويل البرنامج الانتخابي إلى إجراءات وسياسات قابلة للتنفيذ.

وأكد القيادي الحزبي أن التقدم والاشتراكية لا يسعى إلى المشاركة الحكومية بأي ثمن، ولا يتعامل مع المقاعد الوزارية باعتبارها هدفاً في حد ذاته، بل يربط قراره بالمضمون السياسي والبرنامج الحكومي وبالقدرة على الدفاع عن الأولويات التي قدمها للناخبين خلال الحملة الانتخابية.

ويضع هذا الموقف الحزب أمام معادلة سياسية دقيقة، إذ يبدو أن خيار المشاركة يحظى بدعم متزايد داخل قيادته، في وقت يصر فيه عدد من أعضائه على أن الدخول إلى الحكومة يجب أن يكون مقروناً بشروط واضحة تضمن استقلالية القرار السياسي للحزب وعدم تحوله إلى مجرد مكون عددي داخل الأغلبية.

وتأتي هذه التطورات في وقت دخلت فيه مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مرحلة جديدة، بعدما انتقلت الاتصالات بين الأطراف السياسية من مجرد استطلاع المواقف إلى بحث أكثر تفصيلاً في شكل الأغلبية المقبلة ومكوناتها والتوازنات التي يمكن أن تحكم عملها.

وتواصل فاطمة الزهراء المنصوري لقاءاتها مع الأمناء العامين للأحزاب السياسية، في إطار مسار يهدف إلى بلورة أغلبية منسجمة وقادرة على تحمل المسؤولية الحكومية خلال المرحلة المقبلة، في ظل نتائج انتخابية أعادت ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي والبرلماني.

وشملت هذه الاتصالات عدداً من الأحزاب السياسية، في وقت بدأت فيه المفاوضات تقترب تدريجياً من الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها طبيعة التحالف الحكومي وتوزيع المسؤوليات والحقائب والقطاعات الوزارية، وهي عناصر يرتبط بها إلى حد كبير شكل التوازن داخل الأغلبية المقبلة.

ومع استمرار المشاورات، ستتجه الأنظار إلى طبيعة التفاهمات التي ستجمع مختلف الأطراف، وإلى ما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى أغلبية جديدة قادرة على الجمع بين الانسجام السياسي وتعدد المرجعيات، خصوصاً أن التحدي بالنسبة إلى الحكومة المقبلة لن يكون فقط في تشكيل أغلبيتها، وإنما في قدرتها على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية المطروحة على الساحة الوطنية.

آخر الأخبار