إعادة رسم التحالفات.. هل يطوي البيجيدي والأحرار صفحة الخلاف في المعارضة؟
تتجه مشاورات تشكيل الحكومة المغربية المقبلة نحو مرحلة أكثر حسماً، مع انتقال النقاش السياسي من استطلاع مواقف الأحزاب إلى البحث في الصيغة التي يمكن أن تقوم عليها الأغلبية الجديدة، في ظل إعادة ترتيب للمواقع السياسية فرضتها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وتكثف فاطمة الزهراء المنصوري، المكلفة بتشكيل الحكومة، اتصالاتها بقيادات الأحزاب السياسية، في محاولة لتجميع مكونات أغلبية قادرة على تأمين الانسجام داخل الحكومة المقبلة، في وقت بدأت فيه الحسابات المرتبطة بالتحالفات وتوزيع المسؤوليات تأخذ حيزاً أكبر من المشاورات.
وشملت اللقاءات التي أجرتها المنصوري، يوم أمس الثلاثاء، عدداً من الأمناء العامين والقيادات الحزبية، من بينهم محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، ومحمد جودار، الأمين العام للاتحاد الدستوري، وعبد الصمد عرشان، الأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية، ومحمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وإدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وتعكس هذه الجولة اتساع دائرة الأحزاب المعنية بالمشاورات، في وقت لم تعد فيه الأسئلة المطروحة مرتبطة فقط بإمكانية المشاركة في الحكومة، وإنما أصبحت تشمل شكل الأغلبية المقبلة، وحجم كل مكون داخلها، وطبيعة التوازنات التي ستحدد توزيع المسؤوليات والحقائب الوزارية.
ويبرز حزب التجمع الوطني للأحرار ضمن أكثر الملفات حساسية في هذه المرحلة، بالنظر إلى موقعه في الحكومة المنتهية ولايتها، وما أفرزته الانتخابات الأخيرة من معطيات جديدة أعادت ترتيب المشهد الحزبي. وبينما تظل إمكانية استمرار الحزب ضمن الأغلبية مطروحة، تتزايد في المقابل النقاشات بشأن مدى ملاءمة الصيغة السابقة للمرحلة السياسية الجديدة.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب موعد افتتاح البرلمان، وهو ما يجعل هامش المناورة أمام مختلف الأطراف أكثر ضيقاً، ويدفع الأحزاب إلى حسم مواقفها في وقت تتسارع فيه الاتصالات السياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة.
وفي هذا السياق، يرى حزب الأصالة والمعاصرة أن التحالف مع التجمع الوطني للأحرار ضمن الحكومة المقبلة ليس خياراً محسومًا، وفق الموقف الذي عبّر عنه محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية للحزب، في حوار تلفزيوني، حيث اعتبر أن إمكانية هذا التحالف تبدو صعبة، مع التأكيد على أن تدبير المشاورات يبقى بيد فاطمة الزهراء المنصوري.
ويأتي هذا الموقف ليكشف جانباً من التعقيدات التي تحيط بتشكيل الأغلبية، خصوصاً أن نجاح أي صيغة حكومية لا يرتبط فقط بتوفير العدد اللازم من المقاعد، وإنما يتطلب أيضاً توافقاً سياسياً بين مكوناتها حول طريقة تدبير المرحلة المقبلة وأولوياتها.
وفي الوقت نفسه، بدأ حزب العدالة والتنمية في تثبيت موقعه في الجهة المقابلة من الخريطة السياسية، بعدما أعلن توجهه نحو المعارضة، واضعاً بذلك حداً للتكهنات بشأن احتمال مشاركته في الأغلبية المقبلة.
وتقول أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، في حوار تلفزيوني، إن اختيار المعارضة يستند إلى قرار مؤسساتي داخل الحزب، معتبرة أن تحديد الموقع السياسي بعد الانتخابات يندرج ضمن الصلاحيات الطبيعية للأحزاب ومؤسساتها.
وأكدت أمينة ماء العينين، استعداد الحزب للتنسيق مع حزب التجمع الوطني للأحرار في حال استقر الأخير على موقع المعارضة، معتبرة أن الاختلاف السياسي بين الأحزاب لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو قطيعة دائمة، وأن الحياة البرلمانية تحتاج إلى تفاعل بين مختلف المكونات على أساس الاختلاف والمراقبة والنقد.
ويؤشر هذا الطرح على احتمال انتقال المعارضة خلال المرحلة المقبلة إلى منطق أكثر تنسيقا، خصوصا إذا استقرت خريطة الأغلبية على تركيبة تعيد توزيع أدوار عدد من الأحزاب مقارنة بالولاية السابقة.
كما يضع هذا التحول حزب العدالة والتنمية أمام اختبار جديد يتمثل في استعادة حضور مؤثر داخل المؤسسة التشريعية، بعد سنوات اتسمت بتراجع موقعه الانتخابي والسياسي. وستكون قدرته على مراقبة العمل الحكومي ومناقشة السياسات العمومية وتقديم بدائل سياسية من أبرز مؤشرات حضوره خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، تبدو الأغلبية المرتقبة أمام تحدي بناء انسجام داخلي يتجاوز الحسابات الانتخابية، خصوصاً أن المرحلة الجديدة ستفرض على مكوناتها التعامل مع ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة، وهو ما يجعل توزيع المسؤوليات جزءا أساسيا من المفاوضات الجارية.
ومن المنتظر أن تكشف المشاورات المقبلة بصورة أوضح عن ملامح التحالف الذي سيقود الحكومة الجديدة، وعن موقع الأحزاب التي دخلت على خط الاتصالات، إضافة إلى مستقبل التجمع الوطني للأحرار داخل الخريطة السياسية المقبلة.
وبينما تواصل المنصوري لقاءاتها مع قادة الأحزاب، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه المرحلة الأخيرة من المشاورات، خصوصاً أن الإعلان عن الأغلبية لن يكون مجرد نهاية للمفاوضات، بل بداية لمرحلة سياسية جديدة ستحدد طبيعة العلاقة بين الحكومة والمعارضة داخل البرلمان.
وفي انتظار اتضاح الصورة النهائية، يبقى المشهد السياسي مفتوحاً على إعادة ترتيب واسعة للتحالفات والمواقع، في وقت تفرض فيه نتائج الانتخابات منطقاً جديداً على الأحزاب، وتدفعها إلى الانتقال سريعاً من مرحلة التفاوض إلى مرحلة تحمل المسؤولية داخل الحكومة أو ممارسة المعارضة من موقع مؤسساتي واضح.