بعد الخطاب الملكي.. أحزاب تشهر العين الحمراء في وجه الحكومة المقبلة
أعاد الخطاب الملكي الذي وجهه الملك محمد السادس، اليوم الجمعة، إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، النقاش حول أولويات المرحلة السياسية المقبلة، في سياق يتزامن مع مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، وما تطرحه من رهانات مرتبطة بطبيعة التحالفات السياسية وتركيبة الأغلبية المقبلة وأولويات برنامجها الحكومي.
وبالتوازي مع المشاورات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، بدأت مكونات سياسية في تحديد ملامح تموقعها داخل المشهد البرلماني، بين أحزاب تستعد للمشاركة في تدبير الشأن الحكومي وأخرى تتجه إلى ممارسة المعارضة، التي ينتظر أن تضطلع بدور رقابي وتشريعي في مواكبة عمل الحكومة ومساءلتها بشأن التزاماتها.
وفي هذا السياق، تفاعلت شخصيات برلمانية من الأغلبية والمعارضة مع مضامين الخطاب الملكي، مستحضرة ملفات السيادة الوطنية، ومكافحة الفساد، وتحسين القدرة الشرائية، وتسريع وتيرة التنمية، وتفعيل الجهوية المتقدمة، إلى جانب الدفاع عن مصالح المواطنين وصيانة الاختيار الديمقراطي.
وفي هذا السياق، أكد عبد الله بوانو، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، في تصريحات صحفية أن حزبه يستند في ممارسته للمعارضة إلى تجربة سياسية راكمها عبر مراحل مختلفة، مشيرا إلى أنه مارس المعارضة قبل المشاركة في تدبير الشأن الحكومي لمدة عشر سنوات، قبل أن يعود إلى صفوف المعارضة خلال الولاية التشريعية الممتدة من 2021 إلى 2026.
وأوضح بوانو أن حزبه يتبنى معارضة وصفها بالمواطنة والوطنية والمسؤولة، تقوم على تقييم الأداء الحكومي ومناقشة الاختيارات المطروحة، انطلاقا من مضمون البرنامج الحكومي والتصريح الذي ستقدمه الحكومة أمام البرلمان، وفق المقتضيات الدستورية ذات الصلة، ولا سيما الفصل 88 من الدستور.
وشدد المتحدث على أن عمل الحزب داخل المؤسسة التشريعية لن يقتصر على التفاعل مع البرنامج الحكومي، بل سيمتد إلى ملفات يعتبرها من أولوياته الثابتة، وفي مقدمتها مكافحة الفساد والتصدي لتضارب المصالح، إلى جانب الدفاع عن الهوية والمرجعية والقيم والأسرة، وصيانة الاختيار الديمقراطي وتعزيز كرامة المواطن.
وأضاف بوانو أن قضايا الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل والقدرة الشرائية ستظل حاضرة في مواقف الحزب ومبادراته الرقابية والتشريعية، مؤكدا أن التعامل مع النصوص والمشاريع المعروضة على البرلمان سيخضع، بحسب تعبيره، لمعيار مدى خدمتها للمصلحة العامة واستجابتها لانتظارات المواطنين، مع دعم المبادرات التي تخدم الوطن والتصدي للإجراءات التي يرى الحزب أنها قد تمس بمصالح المواطنين.
من جانبه، أكد مصطفى حيكر، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، كذلك في تصريحات صحفية أن الخطاب الملكي سيشكل مرجعا في تعاطي حزبه مع المرحلة المقبلة، سواء على مستوى تقييم الأداء الحكومي أو بلورة المبادرات داخل البرلمان، معتبرا أن مسؤولية المعارضة تقتضي التفاعل مع التوجهات المطروحة ومواكبة تنفيذها من خلال آليات الرقابة والتقييم والتشريع.
وأشار حيكر إلى أن العمل البرلماني لا ينحصر في مناقشة السياسات الحكومية بعد الإعلان عنها، بل يشمل أيضا تقديم المبادرات الكفيلة بتطوير الأداء المؤسساتي وتعزيز دور البرلمان في مراقبة التدبير العمومي، بما يتيح للمعارضة الإسهام في النقاش العام والدفاع عن القضايا التي تعتبرها ذات أولوية بالنسبة إلى المواطنين.
وفي قراءة مختلفة لموقع المعارضة في المرحلة المقبلة، اعتبر عمر محمود بنجلون، البرلماني عن تحالف اليسار بمجلس النواب، أن الخطاب الملكي رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة من خلال التركيز على السيادة الوطنية وموقع المغرب الإقليمي، إلى جانب التعاون مع إسبانيا وإعادة تنظيم المجال الترابي والعلاقة بين الدولة المركزية والجهات.
وأوضح بنجلون أن المعارضة مطالبة بالموازنة بين الدفاع عن المصالح العليا للبلاد وصيانة مصالح المجتمع، مع الحرص على تحصين الجبهة الداخلية ومواكبة الاختيارات الاستراتيجية الوطنية، مؤكدا أن دورها يتمثل أيضا في مراقبة أداء الحكومة والتنبيه إلى أي اختلالات محتملة في تدبير الشأن العام.
وربط المتحدث أهمية هذا الدور بضرورة ضمان انسجام السياسات الحكومية مع الثوابت الوطنية ومصالح المواطنين، مشددا على أن إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة المركزية والجهات تقتضي وضوح الاختصاصات وتعزيز فعالية التدبير الترابي، بما يواكب التوجهات المرتبطة بالسيادة الوطنية والشراكات الإقليمية للمملكة.
في المقابل، ركز محمد شوكي، النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للخطاب الملكي، معتبرا أن التأكيد على القدرة الشرائية للمواطنين وتسريع ورش الجهوية المتقدمة يضعان التنمية وتقليص الفوارق المجالية ضمن أبرز أولويات المرحلة المقبلة.
وأوضح شوكي أن تفعيل الجهوية المتقدمة بصورة أكثر نجاعة من شأنه الإسهام في تقليص التفاوتات التنموية بين المناطق، ولا سيما المجالات التي لا تزال تواجه خصاصا في البنيات الأساسية وفرص التنمية، مشيرا إلى أن تحسين أداء الجهات وتعزيز أدوارها يمثلان مدخلا لتسريع وتيرة التنمية وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين مختلف مناطق المملكة.
وأضاف أن الخطاب الملكي يتضمن توجيهات يتعين على الحكومة المقبلة استحضارها في إعداد برامجها وتنفيذ مشاريعها، سواء في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي أو في ما يتعلق بمواصلة الأوراش الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية، معتبرا أن التحدي الأساسي يكمن في تحويل هذه التوجيهات إلى إجراءات عملية ومشاريع ملموسة تستجيب لتطلعات السكان.
وتضع هذه المواقف الحكومة المقبلة أمام اختبار يرتبط بقدرتها على ترجمة الأولويات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، فيما سيكون البرلمان، بأغلبيته ومعارضته، معنيا بمواكبة تنفيذ البرامج الحكومية ومساءلة المسؤولين بشأن مدى الوفاء بالالتزامات المعلنة.