لشكر: نلتقي مع الميزان في النزاهة ومع الكتاب في الحريات ونتقاطع مع الجرار في تحسين التنفيذ وواجبنا تحويل هذا التكامل إلى اتفاق واضح

الكاتب : الجريدة24

10 October 2026 - 11:55
الخط :

كلمة إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي خلال دورة المجلس الوطني للحزب

نلتقي اليوم لنقيم مسؤوليتنا الجماعية في لحظة سياسية تستدعي الوضوح، ووحدة الإرادة، والقدرة على اتخاذ القرار. ونلتقي أيضاً لنجدد العهد مع المشروع الاتحادي الذي جعل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وتقوية المؤسسات أساسا لنضاله، وميزانا لاختياراته، ومعيارا للحكم على مواقفه.

وأود، في مستهل هذه الكلمة، أن أتوجه بتحية اعتزاز وامتنان إلى جميع مرشحات ومرشحي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذين حملوا اسم الحزب ورمزه وبرنامجه إلى المواطنات والمواطنين، وناضلوا طيلة الفترة القانونية للحملة الانتخابية، ملتزمين بشروط التنافس، وبمقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والمراسيم والقرارات المنظمة للعملية الانتخابية.

لقد بذلتم الجهد، وتحملتم أعباء التواصل والمواجهة الميدانية، ودافعتم عن أفكار الحزب ومقترحاته، ومنحتم العمل السياسي معناه في الإنصات والإقناع والالتزام.

نهنئ الفائزات والفائزين بثقة الناخبين، ونعتبر نجاحهم بداية مسؤولية تتطلب الحضور والعمل والمبادرة وتقديم الحساب. ونتوجه، بالقوة نفسها وبالتقدير نفسه، إلى من لم يظفروا بالمقعد.

إن ما بذلتموه رصيد نضالي وسياسي للحزب، وما نسجتموه من علاقات مع الساكنة أمانة ينبغي مواصلتها. المعركة متواصلة في التأطير، وفي الدفاع عن الحقوق، وفي متابعة القضايا المحلية، وفي بناء التنظيم، وفي إعداد البدائل. وسيظل مكانكم محفوظا في هذا الجهد الجماعي، وستظل تجربتكم وكفاءاتكم ضرورية لمسارنا المقبل.

كما نحيي كل اللجان وفرق الدعم والمواكبة، في المقر المركزي، وعلى مستوى الجهات والأقاليم والدوائر الانتخابية؛ ونقدر عمل الأجهزة الحزبية، والنساء والشباب، والأطر القانونية والتقنية والإعلامية، وممثلي الحزب في مكاتب التصويت، وكل من تطوع بوقته وجهده وخبرته. لقد كان لهذا العمل الجماعي دور أساسي في إنجاز الحملة ومواكبة مرشحينا، وواجبنا أن نصون هذه الطاقة وأن نمنحها الاستمرارية والتأطير.

سنواصل نحت مسارنا النضالي بحركية تنظيمية لا تتوقف؛ في مشهد جليّ يبرز عافية المؤسسات وحيويّة الأجهزة الحزبية وهي تعتمل بنقاشات عميقة ومسؤولة تأهباً للمرحلة السياسية القادمة.

فمسار التداول الهادئ والمتين ينطلق من رحاب المكتب السياسي والفريق الاشتراكي، ليتوجّه بأفئدة القواعد والقيادات صوب هذه المحطة المفصلية المتمثلة في اجتماع مؤسسة كتاب الجهات والمجلس الوطني؛ للحسم الحكيم في قرار المشاركة الحكومية.

إن تدبير خيار بحجم المشاركة في الحكومة لا يُبنى على الأهواء الفردية أو التكهنات العابرة، بل يمر حتماً عبر قنوات الشرعية الحزبية ومحاضن التداول الديمقراطي. وشتان ما بين بهرجة الإشاعات المتناسلة حول "الغضب الداخلي" وبين الواقع الصلب لاجتماعات ومشاورات حزبية تؤكد يوماً بعد يوم تماسك الأجهزة، وقدرتها الفذة على هندسة مواقف موحدة تعزز رصيد الثقة وتصون مناعة البيت الاتحادي.

إن العبرة الحقة لا تُقاس بصخب منصات التواصل ولا ببطولات الشاشات الافتراضية؛ فمن أراد أن يدّعي "شجاعة النقد"، فليعلم أن النقد الأصيل لا يُكتب بمداد الاستسهال خلف شاشات الهواتف الذكية على "الفيس بوك"، بل يُسطر بالحضور الحي والمواجهة المسؤولة داخل قاعات الاجتماعات والمؤتمرات.

إن شهادة الرأي وحرقة الإصلاح لا تُقاس باسترسال الكلام من بعيد وأنت غائب عن كل محطة نضالية، لم تطرح فيها فكرة ولم تناقش فيها مضمونا. شجاعة النقد الحقيقية تُبنى في ميدان الحضور، في أن تدلي بشهادتك وتقترح وتواجه أخواتك وإخوانك وجهاً لوجه داخل المؤسسة؛ فهناك فقط تُصنع المواقف ويكون للنقد معناه وقيمته.

إن الوفاء لهذه التضحيات يقتضي تقييما صريحا ومدققا لما جرى. فالاختلالات التي رصدناها خلال الحملات، وما ارتبط منها بسلوكات فردية ومحلية، تستوجب التوثيق والتحليل وتحديد المسؤوليات بحسب الوقائع والأدلة. كما تستوجب حصيلتنا مراجعة تنظيمية وسياسية تشمل اختيار المرشحين، والتواصل، والتعبئة، والتنسيق، والحضور الترابي. إن التقييم الجاد يمنحنا القدرة على التعلم والتصحيح وتقوية الحزب.

ونحن متشبثون بممارسة حقنا الكامل في الطعن أمام المحكمة الدستورية، وفق الشروط والآجال والمساطر القانونية، وبالاستناد إلى ملفات موثقة ووسائل إثبات جدية. سنواكب مرشحينا وأطرنا القانونية في هذا المسار، وسنحترم اختصاص المحكمة وقراراتها.

إن الدفاع عن نزاهة الاقتراع وعن سلامة التمثيل دفاع عن حقوق الناخبين، وعن الثقة في المؤسسات، وعن قيمة المنافسة الديمقراطية. ونريد لكل اعتراض قانوني أن يكون واضحا في موضوعه، مسؤولا في حججه، ودقيقا في طلباته.

تضعنا المرحلة أمام تحديات مترابطة؛ تشغيل الشباب، وصيانة القدرة الشرائية، وتحسين التعليم والصحة، وإصلاح التقاعد بإنصاف، وتقليص الفوارق بين الجهات، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وتقوية الثقة في العمل السياسي. وتزداد هذه المسؤوليات ثقلا في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتتوسع فيه رهانات الأمن المائي والطاقي والغذائي والسيادة الصناعية والرقمية. ومن واجب حزبنا أن يجمع في مقاربته بين حماية الحقوق، وإنتاج الثروة، وحسن توزيع الفرص، ونجاعة المؤسسات.

وقد جاء خطاب جلالة الملك بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة ليؤكد أهمية جعل المرحلة الجديدة منعطفا في مسار المغرب، "في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية". وشدد على أولوية الشباب، والاستثمار المنتج، والعمل الميداني، وتسريع الجهوية واللاتمركز ونقل الصلاحيات والموارد.

ونحن نستحضر هذه التوجيهات بوصفها مسؤوليات وطنية تستدعي من الفاعلين السياسيين برامج قابلة للتنفيذ، ومبادرات تشريعية، ومتابعة ميدانية، ونتائج يشعر بها المواطن.

وهنا تتجلى قيمة مشروعنا للتنمية العادلة. فقد اقترحنا ربط الدعم العمومي بمناصب الشغل المحدثة فعليا، وعقود استثمار تتضمن أهدافا للتشغيل والتكوين، واسترجاع جزء من الامتيازات عند الإخلال بالالتزامات. واقترحنا معامل الإنصاف المجالي لتوجيه الاستثمار وفق الفقر والبطالة والهشاشة وخصاص الخدمات.

ودافعنا عن إدارة تحترم وقت المواطن، وصفقات شفافة، وحماية للمبلغين عن الفساد، ومشاركة مواطنة تؤثر في القرار، وعدالة يستطيع المواطن الوصول إليها وتنفيذ أحكامها.

إن هذه المقترحات تمنحنا مضمونا واضحا للتفاوض، وتضع على عاتقنا واجب العمل من أجل ترجمتها. ومن هذا المنطلق، نرى في الدعوة الرسمية للسيدة رئيسة الحكومة المعينة ذة. فاطمة الزهراء المنصوري الى المشاركة الحكومية خيارا مسؤولا متى قامت على تعاقد يثبت أولويات الإصلاح، ويحدد أدواتها وآجالها وتمويلها، ويضمن متابعة تنفيذها ومحاسبة نتائجها.

لذلك، أدعو مجلسنا الوطني إلى دعم مشاركة تحمل توقيع الاتحاد في مضمونها ونتائجها؛ أجندة تشريعية معلنة، وتمويل مدقق، وآجال واقعية، ومؤشرات منشورة، وتقييم منتظم. وأدعو الاتحاديات والاتحاديين إلى تعبئة طاقات الحزب لمواكبة هذا الاختيار، وإغنائه، ومحاسبة تنفيذه.

إن حضور الاتحاد ينبغي أن يمنح مشروعه قدرة على التأثير، وأن يفتح أمام كفاءاته مجالا لخدمة المجتمع، وأن يحفظ استقلال قراره ووضوح مرجعيته.

وتوفر المقارنة بين البرامج، أرضية جدية لتجديد التفاهم بين مكونات الكتلة الديمقراطية، وبناء شراكة إصلاحية مع حزب الأصالة والمعاصرة في قيادة الحكومة. نلتقي مع الاستقلال في النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتبسيط الإدارة، ومع التقدم والاشتراكية في الحريات والمشاركة والتمثيل وتفعيل المؤسسات، ونتقاطع مع الأصالة والمعاصرة في تحسين التنفيذ وتوحيد قيادة البرامج والرقمنة والتقييم. وواجبنا أن نحول هذا التكامل إلى اتفاق واضح، وأن نعالج الاختلافات بالحوار والتحكيم، وأن نجعل التضامن الحكومي قائما على التزامات مشتركة.

هنا أتوجه إلى أخواتي وإخواني أعضاء الفريق البرلماني،

إن الثقة التي منحكم إياها المواطنون، تكليف يستوجب تكثيف الجهد والحضور والمبادرة. ومن الموقع الذي يختاره الحزب عبر مؤسساته وأجهزته، وبناء على مرجعيته وقناعته وتوجيهات قيادته، ندعوكم إلى فريق متماسك، قوي في اقتراحاته، دقيق في رقابته، حاضر في دوائره، ومنفتح على المجتمع.

ننتظر منكم أجندة تشريعية تستجيب لأولويات الناس، وعملا جادا في مناقشة البرنامج الحكومي وقوانين المالية، وأسئلة مدققة، وتعديلات معللة، ومبادرات للتقييم، ومتابعة لتوصيات مؤسسات الحكامة. وننتظر أن تصلوا بين العمل داخل البرلمان والإنصات في الميدان، وأن تمنحوا قضايا الشباب والنساء والمتقاعدين والمقاولات ومغاربة العالم والمناطق المهمشة حضورا منتظما في عملكم.

وفي الأغلبية كما في المعارضة، يظل معيارنا خدمة الوطن، وصيانة الحقوق، وتقوية المؤسسات. سندعم الإصلاحات التي تحقق المصلحة العامة، وسنقترح تصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وسنمارس مسؤوليتنا باستقلال فكري وانضباط مؤسساتي واحترام للتعددية.

إن قوة الحزب تتجدد بوحدة مناضليه، وبحيوية تنظيماته، وبوضوح مشروعه، وبقدرته على تقديم الحساب. فلنواصل الإنصات للمجتمع، وتأهيل أجهزتنا، وفتح المجال للكفاءات والطاقات الجديدة، وتثمين تجربة مرشحينا وفرقنا. ولنجعل من هذه اللحظة بداية عمل متواصل، يجمع التقييم بالإصلاح، والتعبئة بالمبادرة، والقرار بالمسؤولية.

نريد اتحادا اشتراكيا ديمقراطيا يوسع أثره في حياة الناس، ويمنح السياسة معناها في خدمة الحقوق والفرص والكرامة.

بهذه الروح نناقش اختياراتنا، وبهذا الوضوح نخوض التفاوض، وبهذه المسؤولية نعمل من كل موقع، خدمة لبلادنا، وللوحدة الوطنية، وللاختيار الديمقراطي، ولقضايا مجتمعنا في تنوعها.

عاش الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعاشت وحدة الاتحاديات والاتحاديين، وعاش المغرب حرا، قويا بمؤسساته، عادلا بأبنائه وبناته.

آخر الأخبار