بعد تراجع حظوظ المشاركة الحكومية.. هل تتجه أحزاب المعارضة إلى خيار المساندة النقدية؟
تتجه ملامح الخريطة السياسية للولاية التشريعية الجديدة نحو مزيد من الوضوح، في ظل استمرار المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة، وتباين مواقف الأحزاب بشأن طبيعة تموقعها داخل المؤسسات المنتخبة، بين السعي إلى المشاركة في الأغلبية، واختيار المعارضة البرلمانية، أو تبني المساندة النقدية باعتبارها صيغة تتيح مواكبة العمل الحكومي دون الانخراط المباشر في تدبيره.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه النقاشات بشأن تركيبة الأغلبية المقبلة وتوزيع المسؤوليات داخلها، بدأت عدد من التنظيمات السياسية في بلورة توجهاتها الأولية، وسط مؤشرات على أن عدم المشاركة في الحكومة قد يدفع بعض الأحزاب إلى البحث عن صيغ بديلة للحضور السياسي والتأثير في القرارات العمومية، دون التخلي عن استقلالية مواقفها.
ويبرز حزب الاتحاد الدستوري ضمن التنظيمات التي اختارت التوجه نحو المساندة النقدية، بعدما أعلن مكتبه السياسي، خلال اجتماع له، بحضور برلمانيي الحزب، تبني هذا الخيار مع الاحتفاظ باستقلالية القرار السياسي. وجاء الاجتماع عقب الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة.
وربط الحزب قراره، وفق المعطيات الواردة في بلاغه، بالتحديات التي تواجه البلاد وما تستلزمه من تعبئة وانخراط في مواكبة الأوراش الإصلاحية الكبرى، مشيراً إلى وجود تقارب بين برنامجه الانتخابي وبرنامج حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة وفق المعطيات المقدمة في هذا السياق.
ويعكس هذا التوجه إمكانية لجوء بعض الأحزاب إلى صيغة سياسية وسطى، لا ترقى إلى المشاركة في الأغلبية الحكومية، ولا تعني في الوقت نفسه الاصطفاف المطلق ضدها، إذ تتيح المساندة النقدية، من حيث المبدأ، إبداء الدعم للمبادرات التي تتوافق مع التوجهات السياسية للحزب، مقابل ممارسة الرقابة والاعتراض على القرارات التي يرى أنها لا تستجيب لانتظارات المواطنين.
في المقابل، تتعزز مؤشرات توجه أحزاب أخرى نحو المعارضة البرلمانية، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، الذي أعلن عزمه اعتماد مقاربة معارضة تقوم على مراقبة الأداء الحكومي ومناقشة اختياراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع الاستفادة من الآليات الدستورية المتاحة داخل المؤسسة التشريعية.
وفي هذا الإطار، أكد عبد الله بوانو، النائب البرلماني عن الحزب، أن المرحلة المقبلة ستشهد اعتماد ما وصفه بمعارضة مواطنة ووطنية ومسؤولة، ترتكز على تقييم البرنامج الحكومي والتصريح الذي ستقدمه الحكومة أمام البرلمان، في إطار المقتضيات الدستورية، ولا سيما الفصل 88 من الدستور، الذي ينظم تقديم البرنامج الحكومي ومناقشته والتصويت عليه.
وأوضح بوانو في تصريحات صحفية، على هامش انتهاء افتتاح الدورة التشريعية الجديدة، أن دور الحزب لن يقتصر على مناقشة البرنامج الحكومي، بل سيشمل مواصلة الترافع بشأن ملفات يعتبرها أساسية، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وتضارب المصالح، إلى جانب قضايا الهوية والمرجعية والقيم والأسرة، وصيانة الاختيار الديمقراطي وتعزيز كرامة المواطن.
كما وضع المتحدث قضايا الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل والقدرة الشرائية ضمن الأولويات التي ستؤطر المواقف والمبادرات الرقابية والتشريعية للحزب، مشددا على أن التعامل مع مشاريع القوانين والإجراءات الحكومية سيظل مرتبطا، بحسب موقفه، بمدى استجابتها للمصلحة العامة وقدرتها على معالجة انتظارات المواطنين.
وبهذا التوجه، يسعى حزب العدالة والتنمية إلى تثبيت موقعه ضمن المعارضة من خلال توظيف أدوات المساءلة البرلمانية ومناقشة السياسات العمومية، في وقت ستتحدد فيه طبيعة أدائه الفعلي وفق مواقفه من البرنامج الحكومي ومشاريع القوانين والملفات المطروحة خلال الولاية التشريعية الجديدة.
من جهته، يواجه حزب التجمع الوطني للأحرار احتمال الانتقال إلى المعارضة، بعدما لم تسفر المشاورات السياسية، وفق المعطيات المتاحة في النص، عن التوصل إلى تفاهم يضمن مشاركته في الأغلبية المقبلة.
وقد برزت خلال النقاشات المرتبطة بالتركيبة الحكومية مواقف داخل حزب الأصالة والمعاصرة تتحفظ على انضمام الحزب إلى التحالف المرتقب، ما يزيد من احتمالات ابتعاده عن التدبير الحكومي.
وفي ظل هذا السياق، يظل خيار المساندة النقدية بدوره موضوع تباين داخل الأوساط القيادية لحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث تبرز توجهات تفضل الاصطفاف في المعارضة البرلمانية، مع التركيز على نقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسة التشريعية ومساءلة الحكومة بشأن أدائها.
غير أن الحسم في طبيعة هذا التموقع يظل مرتبطاً بالموقف التنظيمي النهائي للحزب وتطورات المشاورات السياسية.
ولا يقتصر النقاش بشأن المعارضة المقبلة على الأحزاب التي قد تجد نفسها خارج الأغلبية، بل يمتد أيضاً إلى طبيعة التنسيق بين مكوناتها، ومدى قدرتها على بناء مواقف مشتركة بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، مع الاحتفاظ بالتعدد السياسي والإيديولوجي الذي يميز المشهد الحزبي المغربي.
وفي هذا الصدد، اختار تحالف اليسار اعتماد آلية التناوب في تنسيق مجموعته النيابية بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية الجديدة، بحيث يتولى حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي مسؤولية التنسيق خلال النصف الأول من الولاية، على أن تنتقل المهمة إلى الحزب الاشتراكي الموحد خلال النصف الثاني، مع إسناد مسؤولية التنسيق إلى نبيلة جلال، وفق المعطيات الواردة بشأن القرار.
وجاء هذا الترتيب عقب اجتماع مشترك للجنة الإشراف على التحالف وأعضاء مجموعته النيابية، خُصص لتحديد آليات العمل المشترك وتنسيق المبادرات والمقترحات التشريعية، فضلاً عن توحيد المواقف بشأن القضايا المطروحة داخل البرلمان.
وأكد التحالف توجهه نحو ممارسة العمل النيابي من موقع المعارضة اليسارية، مع التركيز على مراقبة السياسات العمومية والتصدي لما يعتبره إجراءات لا تستجيب للمطالب الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
كما شدد على مواصلة الترافع بشأن قضايا الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية والحقوق، وتوظيف الآليات الرقابية والتشريعية للدفاع عن اختياراته ومواقفه.
ويكشف تباين هذه التوجهات عن تعدد الصيغ التي يمكن أن تعتمدها الأحزاب غير المشاركة في الحكومة المقبلة، بين معارضة تسعى إلى مساءلة الجهاز التنفيذي ومواجهته سياسياً، ومعارضة ذات مرجعية يسارية تراهن على التنسيق البرلماني، ومساندة نقدية تتيح هامشاً من التعاون المشروط مع الحكومة دون الاندماج في أغلبيتها.