مطالب نقابية تطوق الوزير الجديد.. الحوار الاجتماعي أمام امتحان تصحيح اختلالات بالجملة
يجد عبد الرحيم شهيد، وزير التشغيل والحوار الاجتماعي في التشكيلة الحكومية الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، نفسه أمام مجموعة من الملفات الاجتماعية والمهنية التي تنتظر الحسم خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها تحسين الأجور، وتعزيز حماية الأجراء، وتطوير التشريعات المنظمة لعلاقات الشغل، إلى جانب معالجة إشكالية البطالة وتوسيع فرص الإدماج المهني.
وتأتي هذه المطالب في سياق تتزايد فيه انتظارات المركزيات النقابية بشأن تنفيذ الالتزامات الاجتماعية السابقة، والانتقال بالحوار الاجتماعي من مجرد آلية للتشاور إلى مسار مؤسساتي يفضي إلى نتائج ملموسة، بما يعزز الثقة بين الحكومة والفرقاء الاجتماعيين وممثلي المشغلين.
وتتصدر مراجعة الإطار القانوني المنظم للعمل والتنظيم النقابي قائمة الملفات المطروحة أمام الوزارة الجديدة، في ظل مطالب بإخراج قانون خاص بالنقابات يحدد قواعد اشتغالها، ويعزز الشفافية في تدبيرها المالي والإداري، ويكرس الديمقراطية الداخلية والتمثيلية العمالية، انسجاماً مع المبادئ التي ينص عليها الفصل الثامن من الدستور.
ويتزامن ذلك مع دعوات إلى استكمال إصلاح مدونة الشغل، وضمان التطبيق الصارم لمقتضياتها، وتقوية جهاز مفتشية الشغل بما يتيح مراقبة ظروف العمل والتصدي للمخالفات وحماية الحقوق المهنية والاجتماعية للأجراء.
كما تشمل المطالب المصادقة على الاتفاقية الدولية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم، بما يطرح أمام الحكومة تحدي تحقيق التوازن بين تحديث التشريعات الوطنية والوفاء بالالتزامات المرتبطة بالحقوق الأساسية في العمل.
ولا تنفصل هذه الأوراش عن الانتظارات المرتبطة بتحسين القدرة الشرائية، إذ تدعو أصوات نقابية إلى مراجعة دورية للحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص، بما يراعي تطور تكاليف المعيشة ومستويات التضخم، إلى جانب تخفيف العبء الضريبي على دخول الفئات المتوسطة وذات الأجور المحدودة.
ويظل تنفيذ الاتفاقات الاجتماعية السابقة أحد الاختبارات الأساسية للوزارة، خصوصاً أن نجاح الحوار لا يقاس بعدد الاجتماعات المنعقدة، وإنما بمدى احترام الالتزامات المتفق عليها وآجال تنفيذها.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إرساء آليات واضحة لتتبع القرارات الاجتماعية وتقييم آثارها، مع إشراك النقابات وأرباب العمل في معالجة الخلافات المهنية قبل تحولها إلى بؤر للتوتر داخل القطاعات الإنتاجية والخدماتية.
وعلى مستوى التشغيل، تواجه الوزارة تحدياً يرتبط بضرورة الانتقال إلى سياسات أكثر قدرة على تحويل الاستثمار والنمو الاقتصادي إلى فرص عمل مستقرة، خصوصاً لفائدة الشباب وحاملي الشهادات العليا والنساء.
وتطرح في هذا الإطار مقترحات لدراسة صيغ استثنائية لتوظيف حاملي الماستر والدكتوراه أو إدماجهم في الوظيفة العمومية، بما يسمح بالاستفادة من الكفاءات الوطنية والاستجابة لحاجيات الإدارة من الموارد البشرية، دون إغفال ضرورة اعتماد معايير واضحة تضمن تكافؤ الفرص والاستحقاق.
وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية بالنظر إلى الالتزامات التي أعلنها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي ينتمي إليه الوزير، في مجال التشغيل والدخل، ومن بينها خفض معدل البطالة العام إلى أقل من 8 في المائة، وتقليص بطالة الشباب إلى أقل من 10 في المائة، وخفض البطالة في صفوف النساء إلى أقل من 15 في المائة، ورفع نسبة مشاركتهن في سوق الشغل إلى أكثر من 30 في المائة.
وتتضمن الالتزامات نفسها إحداث 250 ألف منصب شغل في القطاع الصناعي، ورفع متوسط الأجور بنسبة 20 في المائة، وتحسين الدخل الصافي للأجراء بنسبة 15 في المائة، فضلاً عن ربط الاستفادة من الدعم العمومي والإعفاءات الضريبية بإحداث فرص العمل.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطاً بمدى توفر شروطها الاقتصادية والمالية، وبقدرة السياسات العمومية على دعم الاستثمار المنتج وتوسيع قاعدة الأنشطة الصناعية وتعزيز التكوين والتأهيل المهني.
وفي سياق الملفات المهنية التي تنتظر المعالجة، يبرز قطاع الحراسة الأمنية الخاصة باعتباره أحد المجالات التي تثير مطالب متواصلة بشأن احترام الحقوق القانونية والاجتماعية للعاملين.
فقد وجهت لبنى نجيب، الكاتبة الوطنية للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والمطبخ، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، انتقادات إلى الوزير الجديد استناداً إلى تجربة قالت إنها جمعتهما خلال السنة الماضية، حين كان يشغل منصب رئيس الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية بمجلس النواب.
وأوضحت، في توضيح بشأن موقفها منه، أن لقاءً سابقاً انتهى إلى اتفاق لتنظيم يوم دراسي داخل المؤسسة التشريعية حول أوضاع حراس الأمن الخاص، تمهيداً لإعداد مقترح قانون يهم القطاع، مشيرة إلى أن تاريخ اللقاء وأسماء المؤطرين حُددت آنذاك، قبل أن تتعثر المبادرة مع اقتراب موعدها، وفق روايتها، وينقطع التواصل بشأنها.
وأكدت نجيب أن موقفها المتحفظ يرتبط بهذه التجربة السابقة، مشددة على أن انتقاداتها لا تستهدف القانون رقم 023.26 الذي أشارت إليه في توضيحها، وإنما تنطلق من ضرورة ضمان تنزيل المقتضيات القانونية على أرض الواقع.
وأبرزت أن العمل النقابي، وفق موقفها، لن يتوقف عند صدور النصوص التشريعية، بل سيستمر عبر تتبع مدى تطبيقها والتصدي للممارسات التي قد تمس بحقوق العاملين.
كما أكدت عزم النقابة مواصلة مراقبة الصفقات وطلبات العروض المرتبطة بقطاع الحراسة الخاصة، والتنبيه إلى أي إخلال بالالتزامات القانونية، في وقت تظل فيه مراقبة المقاولات العاملة في هذا المجال، ولا سيما المستفيدة من الصفقات العمومية، من بين الملفات التي تستدعي تشديد التتبع وتفعيل دور مفتشي الشغل والمسؤولين الجهويين والإقليميين.
وبين مطالب النقابات بشأن الأجور والحريات النقابية وتطبيق مدونة الشغل، والانتظارات المرتبطة بخفض البطالة وتحسين جودة فرص العمل، تتعدد الملفات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة داخل وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي.
وسيظل الرهان الأساسي مرتبطا بقدرة الوزارة على بناء حوار منتظم مع الشركاء الاجتماعيين، وتحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم، مع تحديد المسؤوليات والآجال ومؤشرات قياس النتائج.