أربعون سنة من التجارة.. تعويضات الهدم تضع منتخبي الدار البيضاء تحت الضغط

الكاتب : انس شريد

18 October 2026 - 09:30
الخط :

عاد ملف تعويضات المتضررين من عمليات الهدم بالمدينة القديمة في الدار البيضاء إلى واجهة النقاش الاجتماعي، بعدما خرج عدد من تجار سوق البحيرة في وقفة احتجاجية، اليوم الأحد، مطالبين بإنصافهم وإعادة النظر في لوائح المستفيدين من التعويضات والبدائل التجارية المرتبطة بأوراش إعادة التهيئة.

ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد مطالب فئات من التجار والحرفيين الذين يؤكدون أنهم فقدوا محلاتهم ومصادر دخلهم، دون أن يتمكنوا، بحسب إفاداتهم، من الحصول على حلول تضمن استئناف أنشطتهم والحفاظ على استقرار أسرهم.

ورفع المحتجون مطالب تدعو إلى عدم إقصاء أصحاب المحلات المتضررة، وتمكينهم من التعويض أو الاستفادة من سوق بديل يحفظ حقوقهم ويضمن استمرار أنشطتهم التجارية.

وحملت اللافتة التي رفعها المشاركون اسم جمعية التضامن لتجار وحرفيي سوق البحيرة، في إشارة إلى تشبث المتضررين بضرورة معالجة الملف بصورة جماعية، بدل الاكتفاء بتسوية أوضاع بعض المستفيدين وترك آخرين أمام مستقبل يلفه الغموض.

وقال متضررون إن وجودهم داخل السوق يعود إلى عقود طويلة، مشيرين إلى أن بعضهم يمارس نشاطه التجاري منذ أزيد من 40 سنة، قبل أن يجد نفسه أمام قرار الهدم في ظروف وصفوها بالمفاجئة.

واعتبروا أن المهلة التي لم تتجاوز أربعة أيام، وفق روايتهم، لم تكن كافية لتدبير عملية نقل السلع والمعدات والممتلكات، أو البحث عن أماكن بديلة لمواصلة العمل، خصوصا بالنسبة إلى التجار الذين راكموا سنوات طويلة من النشاط داخل هذا الفضاء التجاري.

وتتجاوز مطالب المحتجين، بحسب تصريحاتهم، مسألة التعويض المالي، لتشمل ضمان الاستمرارية المهنية والحفاظ على الروابط التجارية والاجتماعية التي نشأت داخل السوق على مدى عقود.

وأوضحوا أن عددا من مستغلي المحلات ينتمون إلى فئات عمرية متقدمة، فيما يعاني بعضهم من أمراض مزمنة أو يتحمل مسؤوليات أسرية ثقيلة، الأمر الذي يجعل فقدان مصدر الرزق أكثر تأثيرا على أوضاعهم المعيشية، في ظل صعوبة الانتقال السريع إلى نشاط جديد أو استئجار محلات بديلة بتكاليف إضافية.

وأثار عدد من المتضررين مسألة تحديد المستفيدين من التعويضات، معتبرين أن بعض التجار الذين يرون أنفسهم أصحاب حقوق فعلية لم تشملهم الإجراءات المعتمدة، رغم تأكيدهم أداء الواجبات والضرائب بانتظام.

ولم يقتصر أثر الهدم، وفق شهادات المتضررين، على فقدان المحلات التجارية فحسب، بل امتد إلى تهديد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لأسر ظلت لسنوات طويلة تعتمد على المداخيل المتأتية من هذه الأنشطة، في وقت لا تزال فيه تساؤلات مطروحة بشأن البدائل المتاحة أمام المتضررين الذين لم يتمكنوا من تسوية أوضاعهم.

ويعيد هذا الملف إلى الواجهة التحديات الاجتماعية التي ترافق مشاريع إعادة تأهيل المدينة القديمة بالدار البيضاء، خصوصا عندما تشمل التدخلات العمرانية محلات تجارية ارتبطت بمصادر عيش أصحابها على مدى سنوات طويلة.

وفي موازاة أزمة التجار، يتواصل الجدل بشأن أوضاع أسر تضررت من عمليات هدم مساكنها في إطار مشروع المحج الملكي، الذي يستهدف إعادة تهيئة أجزاء من المدينة القديمة وتغيير ملامحها العمرانية.

فقد سبق أن نظم متضررون وقفة احتجاجية أمام مقر عمالة أنفا بالدار البيضاء، للمطالبة بتمكينهم من بدائل سكنية أو تعويضات، مؤكدين أن وضعيتهم لا تزال معلقة رغم مرور أشهر على هدم منازلهم.

وقال المشاركون إنهم غادروا مساكنهم بناء على وعود سابقة بتوفير حلول بديلة، غير أنهم لم يتوصلوا، بحسب إفاداتهم، إلى التعويضات التي ينتظرونها.

وتتقاطع مطالب الأسر المتضررة مع شكاوى التجار في نقطة أساسية، تتمثل في ضرورة ربط تنفيذ المشاريع العمرانية بتدابير واضحة لحماية الفئات التي تفقد مساكنها أو موارد رزقها، بما يضمن عدم تحول إعادة التهيئة إلى مصدر لمزيد من الهشاشة الاجتماعية بالنسبة إلى الفئات المعنية.

وفي ظل استمرار الاحتجاجات وتصاعد مطالب المتضررين، يجد منتخبو مجلس جماعة الدار البيضاء، خاصة على مستوى دائرة أنفا، أنفسهم تحت ضغط متزايد، مع تجدد التساؤلات بشأن سبل مواكبة التداعيات الاجتماعية لعمليات الهدم وإعادة التهيئة.

ويضع هذا الوضع الفاعلين المنتخبين أمام اختبار مدى قدرتهم على التفاعل مع انتظارات المتضررين، ونقل مطالبهم إلى الجهات المعنية، والمساهمة في توضيح مآل الملفات العالقة، بما يضمن التوفيق بين متطلبات تأهيل المدينة القديمة وحماية الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات المتضررة.

ويضع استمرار هذه الاحتجاجات الجهات المعنية أمام تحدي تعزيز التواصل مع المتضررين، وتقديم توضيحات بشأن وضعية الملفات العالقة، مع التمييز بين الحالات القانونية والاجتماعية المختلفة، بدل تركها في دائرة الانتظار والتأويلات المتباينة.

كما تبرز أهمية اعتماد آليات واضحة لتلقي التظلمات ودراسة الوثائق التي يدلي بها أصحاب المحلات والأسر، بما يسمح بتقييم كل حالة وفق المعايير المعتمدة، ويحد من الشعور بالإقصاء الذي يعبر عنه المحتجون، ويفتح المجال أمام معالجة أكثر وضوحا وإنصافا لهذا الملف الاجتماعي المتشعب.

آخر الأخبار