10 التزامات و6 أشهر للحسم.. مذكرة مدنية تختبر جدية حكومة المنصوري
طالبت لجنة تنسيق مذكرة "مغرب 2030: من أجل دولة الحق والعدالة والمساواة والتنمية المستدامة" الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، بجعل حقوق الإنسان والحريات العامة والمساواة والعدالة الاجتماعية والمجالية في صلب أولوياتها، داعية إلى تحويل التصريح الحكومي إلى تعاقد سياسي واجتماعي قائم على التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة، بدل الاكتفاء بالوعود الإصلاحية والشعارات العامة.
وأكدت اللجنة، في بلاغ لها، أن المرحلة المقبلة تقتضي إعادة ترتيب الأولويات العمومية وإعادة الاعتبار للوظيفة الاجتماعية والديمقراطية للدولة، بما يستجيب لتطلعات المواطنات والمواطنين إلى الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، ويضمن انعكاس السياسات العمومية بشكل ملموس على حياتهم اليومية.
واعتبرت أن المكتسبات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية التي راكمها المغرب، إلى جانب الأوراش الإصلاحية والتنموية التي أطلقها، لم تنهِ الفجوة القائمة بين الاعتراف بالحقوق والتمتع الفعلي بها، ولا بين حجم الموارد العمومية المعبأة وأثرها على أوضاع المواطنين.
وسجلت استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية ومظاهر الهشاشة والإقصاء والتمييز، معتبرة أن هذه الاختلالات تطرح تساؤلات بشأن الاختيارات العمومية وعدالة توزيع الموارد والفرص ومدى فعالية المؤسسات في الاستجابة لمطالب المجتمع.
وشددت اللجنة على أن أفق سنة 2030 ينبغي ألا يقتصر على إنجاز المشاريع الكبرى وتطوير البنيات التحتية وتحقيق المؤشرات الاقتصادية، بل يتعين أن يشكل فرصة لبناء مغرب أكثر ديمقراطية وعدالة وإنصافا، تكون فيه التنمية في خدمة الإنسان، والمالية العمومية رافعة لضمان الحقوق، والمؤسسات في خدمة المواطنات والمواطنين.
وفي هذا السياق، حددت لجنة التنسيق عشرة التزامات سياسية ومؤسساتية ترى ضرورة تضمينها في التصريح الحكومي، في مقدمتها حماية حقوق الإنسان والحريات العامة وتعزيز دولة الحق والقانون، من خلال ضمان حرية التعبير والصحافة والتنظيم والتجمع، وحماية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وصون استقلالية المجتمع المدني، وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة.
كما دعت إلى جعل المساواة الفعلية والمناصفة أولوية حكومية وتشريعية، عبر مكافحة التمييز وتعزيز مشاركة النساء في مواقع السلطة والقرار، وتوفير الحماية الفعلية لهن من مختلف أشكال العنف، ووضع حد للممارسات الضارة التي تستهدف الفتيات وتمس كرامتهن وسلامتهن أو تعيق حقهن في التعليم والتمتع بحقوقهن كاملة.
وبخصوص المشاركة السياسية، طالبت اللجنة بتجديد الديمقراطية التمثيلية والتشاركية وإعادة بناء الثقة في المؤسسات، من خلال توسيع المشاركة المواطنة وضمان تمثيلية منصفة للنساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة والفئات الأقل تمثيلا، والانتقال من التشاور الشكلي إلى المشاركة الفعلية والمؤثرة في صناعة القرار العمومي.
ودعت أيضا إلى إرساء مالية عمومية عادلة وشفافة، تجعل الحقوق والمساواة والعدالة الاجتماعية والمجالية محددات أساسية لتوزيع الموارد، وتربط الإنفاق العمومي بالنتائج، معتبرة أن إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية يشكل مدخلا لإعادة توجيه الاختيارات الميزانياتية نحو الإنصاف ونجاعة الأداء.
وعلى المستوى الاجتماعي، شددت اللجنة على ضرورة إعادة الاعتبار للخدمات العمومية وتعزيز الدولة الاجتماعية، عبر ضمان الحق الفعلي في تعليم جيد، وصحة عمومية ذات جودة، وسكن لائق، وشغل كريم، وحماية اجتماعية منصفة، بما يحد من التفاوت في الولوج إلى الحقوق الأساسية بسبب الإمكانات المادية أو مكان الإقامة.
كما اعتبرت أن العدالة المجالية ينبغي أن تتحول إلى اختيار سياسي ملزم، من خلال إنصاف المناطق الجبلية والقروية والواحات والمجالات المهمشة، وتصحيح الاختلالات في توزيع الاستثمارات والخدمات والفرص، بما يضمن حق مختلف المجالات الترابية في التنمية.
وفي ما يتعلق بالانتقال البيئي، دعت المذكرة إلى اعتماد مقاربة عادلة تحمي الموارد الطبيعية والمائية وتضمن الحق في بيئة سليمة، مع تفادي تحميل الفئات الهشة والمناطق الأقل استفادة من التنمية الكلفة الأكبر للأزمات المناخية.
وأكدت كذلك أهمية ضمان الإدماج الكامل للشباب والأشخاص في وضعية إعاقة والمهاجرين ومغاربة العالم، باعتبارهم أصحاب حقوق وشركاء في القرار والتنمية، وليسوا مجرد فئات مستهدفة ببرامج ظرفية.
وشملت الالتزامات المقترحة ترسيخ الشفافية والنزاهة والمساءلة، وضمان الحق في الحصول على المعلومات، وتفعيل الرقابة والتقييم المستقل للسياسات العمومية، وربط المسؤولية السياسية والإدارية بنتائج القرارات وآثارها.
كما دعت اللجنة إلى تعميق اللامركزية والديمقراطية الترابية، وتمكين الجماعات الترابية من الاستقلالية والموارد والاختصاصات الواضحة التي تؤهلها لقيادة التنمية المحلية والاستجابة لانتظارات الساكنة.
وأكدت لجنة التنسيق أن هذه الأولويات لا تمثل مطالب قطاعية منفصلة، بل تندرج ضمن مشروع مجتمعي يقوم على خمسة مرتكزات مترابطة، هي الحريات والمساواة والتماسك الاجتماعي والعدالة والإدماج، مشددة على ضرورة التعامل معها باعتبارها مكونات متكاملة للسياسات العمومية.
واعتبرت أن مصداقية التصريح الحكومي لن تقاس بعدد الوعود أو جاذبية الشعارات، وإنما بمدى وضوح الالتزامات، وتحديد آجال تنفيذها والموارد المخصصة لها، واعتماد مؤشرات تسمح بقياس النتائج وإخضاعها للمساءلة.
ودعت، في هذا الإطار، إلى الإعلان عن إجراءات ذات أولوية خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية الحكومية، وربط البرنامج الحكومي بأجندة تشريعية وبرمجة مالية منسجمتين مع مقتضيات الحقوق والعدالة والمساواة.
ووجهت اللجنة نداء إلى مجلسي البرلمان، أغلبية ومعارضة، من أجل جعل مناقشة التصريح الحكومي مناسبة فعلية للمساءلة السياسية بشأن الاختيارات والأولويات والموارد والنتائج المنتظرة، بعيدا عن الاقتصار على تبادل المواقف والخطابات، مع الاضطلاع بالأدوار الدستورية المرتبطة بالتشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
وبشأن دور المجتمع المدني، اعتبرت اللجنة أن الجمعيات والتنظيمات المستقلة شريك أساسي في بناء التعاقد السياسي والاجتماعي، من خلال الاقتراح والترافع والرقابة المواطنة، داعية إلى تجاوز الاستشارات الشكلية وضمان مشاركة فعلية ومؤثرة في النقاش العمومي وصناعة القرار، مع احترام استقلالية المجتمع المدني وحقه في النقد والمساءلة.
وأعلنت لجنة التنسيق عزمها وضع مذكرة "مغرب 2030: من أجل دولة الحق والعدالة والمساواة والتنمية المستدامة" بين يدي رئيسة الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، باعتبارها أرضية مدنية جماعية تتضمن عشرة تعاقدات ومقترحات للإصلاح والتزامات ذات أولوية، إلى جانب مؤشرات لقياس الإنجاز والنتائج، بهدف فتح حوار مؤسساتي بشأن اختيارات المرحلة المقبلة.
وخلصت اللجنة إلى أن المغرب المنشود في أفق 2030 ينبغي ألا يقتصر على المشاريع الكبرى، بل يتعين أن يكون مغرب الحقوق والحريات والمساواة والعدالة، حيث تقاس قوة المؤسسات بقدرتها على حماية كرامة الإنسان، وجودة السياسات العمومية بأثرها على حياة المواطنين، ومصداقية السلطة بمدى وفائها بالتزاماتها.
وأكدت أن الرهان الأساسي يتمثل في الانتقال من الوعود إلى الالتزامات، ومن الالتزامات إلى النتائج، ومن النتائج إلى أثر مجتمعي مستدام، معتبرة أن التنمية الاقتصادية تظل مرتبطة بقدرتها على تقليص الفوارق وضمان الحقوق وتعزيز المشاركة والمساءلة، ووضع الإنسان وكرامته في صلب السياسات العمومية.