تشديد الرقابة على العالم الرقمي.. هل تفرض الحكومة قواعد جديدة لحماية الأطفال؟
تتجه الحكومة الجديدة، بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، إلى تشديد الضوابط القانونية المرتبطة باستخدام الأطفال لوسائط التواصل الاجتماعي، من خلال إعداد قانون يروم الوقاية من الاستعمالات غير المشروعة لهذه المنصات، يتضمن حظر ولوج الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة إلى شبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية الخطيرة، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بحماية الطفولة من المخاطر المتزايدة للفضاء الرقمي.
ويأتي هذا التوجه في سياق التحولات المتسارعة التي فرضتها التكنولوجيا على الحياة اليومية، بعدما أصبحت المنصات الرقمية جزءا أساسيا من أنماط التواصل والتعلم والترفيه لدى الأجيال الناشئة، مقابل اتساع المخاوف بشأن تعرض الأطفال لمحتويات غير ملائمة لأعمارهم، واستغلال صورهم ومعطياتهم الشخصية، فضلا عن مخاطر التنمر والتحرش الإلكتروني والإدمان الرقمي وما قد يترتب عنها من انعكاسات نفسية واجتماعية.
وحسب مضامين البرنامج الحكومي الذي قدمته المنصوري أمام البرلمان، يوم أمس الاثنين، يرتقب إطلاق برنامج وطني للطفولة الرقمية يعتمد مقاربة تدريجية في إدماج الأطفال في العالم الافتراضي، على أساس مراعاة المراحل العمرية ومستوى النضج والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا.
ويستهدف هذا التوجه إرساء ضوابط أكثر وضوحا لاستخدام الوسائط الرقمية، مع تحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها التعليمية والتواصلية والحد من المخاطر التي قد تهدد سلامة القاصرين وخصوصيتهم.
وتشمل التدابير المرتقبة منع استعمال الهواتف الذكية داخل المؤسسات التعليمية الابتدائية، إلى جانب إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية، بما يتيح للأطفال اكتساب المهارات الضرورية للتعامل الآمن والمسؤول مع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
وتبرز أهمية هذا الجانب في الانتقال من الاكتفاء بمنع بعض الممارسات إلى بناء وعي رقمي لدى الناشئة، يساعدهم على التمييز بين المحتويات الموثوقة والمضللة، والتعرف على أشكال الاستغلال الإلكتروني، وفهم حدود مشاركة الصور والمعلومات الشخصية في الفضاء العام.
ولا يقتصر التوجه الحكومي على التشريع والمؤسسات التعليمية، بل يمتد إلى إشراك الأسر في حماية الأطفال، من خلال توفير أدوات للمواكبة والمراقبة الأبوية تساعد الآباء والأمهات على تتبع أنشطة أبنائهم الرقمية والحد من تعرضهم للمحتويات الخطيرة.
كما يتضمن البرنامج إحداث علامة "الفضاء الصديق للطفولة الرقمية"، في مسعى إلى تشجيع توفير بيئات أكثر أمانا للأطفال، وترسيخ مسؤولية مختلف المتدخلين في احترام خصوصيتهم وضمان سلامتهم أثناء استخدام التكنولوجيا.
ويعيد هذا التوجه إلى الواجهة نقاشا سبق أن أثارته مكونات من المعارضة خلال الولاية الحكومية السابقة، إلى جانب هيئات ومؤسسات معنية بحماية الطفولة، بشأن الحاجة إلى قواعد قانونية أكثر صرامة لمواجهة الاستغلال الرقمي للقاصرين.
وفي هذا السياق، سبق أن أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإقرار مفهوم "سن الرشد الرقمي"، بما يسمح بتنظيم إنشاء القاصرين حسابات على المنصات الرقمية، وربط ذلك بموافقة صريحة من الآباء أو أولياء الأمور، مع الدعوة إلى تعزيز مسؤولية الشركات الرقمية في حماية المستخدمين الصغار.
وتتجاوز التحديات المطروحة مسألة تحديد السن المسموح به لولوج المنصات، لتشمل ضرورة إلزام الشركات المعنية بآليات فعالة للتحقق من الأعمار، وحماية البيانات الشخصية للأطفال من الاستغلال التجاري، وتطوير وسائل الإبلاغ عن المحتويات والممارسات الضارة.
كما يفرض انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي تحديات إضافية، بالنظر إلى قدرتها على إنتاج صور ومقاطع ومعلومات مضللة قد يصعب على الأطفال التمييز بينها وبين المحتويات الحقيقية، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى التربية الرقمية والرقابة المسؤولة وآليات الرصد والتوعية.
وبين الرهان على الحماية القانونية ومتطلبات المواكبة التربوية والأسرية، سيكون التحدي الأساسي أمام الحكومة هو تحويل التدابير المعلنة إلى إجراءات قابلة للتطبيق والقياس، مع توضيح آليات مراقبة الالتزام بها وضمان احترام حقوق الأطفال وخصوصيتهم.