هلال يكشف كواليس الفيتو الروسي ويتهم الجزائر بعرقلة مشروع القرار الأمريكي
دخل ملف الصحراء المغربية منعطفا جديدا في أعقاب التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي خلال مناقشة مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالنزاع، بعدما حالت معارضة روسيا دون اعتماده، في وقت أثارت فيه المواقف التي أعقبت التصويت نقاشا واسعا بشأن مستقبل المسار الأممي وطبيعة المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا التطور في سياق دبلوماسي يتسم بتزايد الاهتمام بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي قدمتها المملكة سنة 2007، باعتبارها أرضية واقعية للتوصل إلى تسوية سياسية نهائية، خاصة بعد اعتماد القرار الأممي رقم 2797 لسنة 2025، الذي عزز التوجه نحو مقاربة سياسية أكثر براغماتية تستحضر مبادرة الرباط وتحترم سيادتها ووحدتها الترابية.
أعاد السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، رسم ملامح الموقف المغربي من التطورات الأخيرة التي شهدها مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية، واضعا التصويت الذي انتهى باستخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي في سياق أوسع من مجرد خلاف داخل المؤسسة الأممية.
واعتبر الدبلوماسي المغربي أن ما جرى كشف حقيقة الأطراف المنخرطة في النزاع، وأبرز طبيعة التحركات التي سبقت جلسة التصويت، في وقت تدخل فيه القضية مرحلة جديدة تتزايد فيها الدعوات إلى تجاوز المقاربات التقليدية والاتجاه نحو تسوية سياسية تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة سنة 2007.
وخلال استضافته على قناة "ميدي 1 تيفي"، اتهم عمر هلال الجزائر بالوقوف وراء الموقف الروسي الذي حال دون اعتماد المشروع الأمريكي، مؤكدا أن المفاوضات التي سبقت التصويت أظهرت، بحسب تقديره، أن الجزائر تتحمل المسؤولية الأساسية عن عرقلة المبادرة.
وكشف أن تدخله داخل مجلس الأمن للرد على ممثل الجزائر لم يكن مبرمجا مسبقا، بعدما طلب الوفد الجزائري الكلمة في اللحظات الأخيرة من الجلسة، موضحا أن هذا التطور أتاح له فرصة الرد على ما اعتبره محاولات لإبعاد الجزائر عن مسؤوليتها في النزاع.
وذهب هلال إلى أن ما كشفته المناقشات يؤكد أن المواجهة السياسية الحقيقية تدور بين المغرب والجزائر، وليس بين المملكة وأطراف أخرى كما يجري تصويره في بعض المواقف.
وفي تفسيره لخلفيات المعارضة التي واجهت المشروع الأمريكي، أوضح السفير المغربي أن المسودة كانت تتضمن توجها جديدا في معالجة القضية، من خلال تعزيز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا للتوصل إلى حل سياسي نهائي، إلى جانب طرح ملفات ظلت محل خلاف، من بينها إحصاء ساكنة مخيمات تندوف وتوسيع دائرة المشاورات بشأن مستقبل الصحراء.
واعتبر أن هذه المقتضيات أثارت مخاوف الجزائر، متهما إياها بممارسة ضغوط ومناورات دبلوماسية لإقناع روسيا باستخدام حق النقض.
كما أشار إلى أهمية إشراك ممثلين عن ساكنة الأقاليم الجنوبية ومغاربة الخارج وضحايا الانتهاكات داخل المخيمات في المشاورات السياسية، معتبرا أن أي مسار جدي للتسوية ينبغي ألا يظل محصورا في دائرة ضيقة من الأطراف والتمثيليات.
ورغم انتقاده الشديد للظروف التي أحاطت بالتصويت، حرص هلال على التأكيد أن الموقف الروسي لن ينعكس على طبيعة العلاقات بين الرباط وموسكو، مشددا على أن الشراكة بين البلدين تستند إلى أسس تاريخية ومصالح استراتيجية تتجاوز الاختلاف بشأن مشروع قرار داخل مجلس الأمن.
واستحضر في هذا السياق الاتفاق الذي عزز الشراكة الاستراتيجية بين الملك محمد السادس والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مارس 2016، مؤكدا أن المغرب سيواصل تعاونه مع روسيا في إطار الاحترام المتبادل.
كما أوضح أن المملكة لم تطلب يوما من الدول الصديقة أو الحليفة الاختيار بينها وبين الجزائر، لأن الدبلوماسية المغربية لا تقوم على فرض الاصطفاف، وإنما على احترام العلاقات الثنائية واستقلالية القرارات.
وفي المقابل، وضع السفير المغربي السيادة الوطنية في صدارة محددات الموقف الرسمي للمملكة، مؤكدا أن المغرب لن يقدم أي تنازل بشأن وحدته الترابية مقابل تغيير مواقف الدول أو تفادي استخدام حق النقض.
وشدد على أن قضية الصحراء لا تخضع للمساومة، وأن العلاقات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون على حساب الثوابت الوطنية. وبهذا الموقف، سعى هلال إلى تبديد التساؤلات التي أعقبت التصويت بشأن احتمال تأثر العلاقات المغربية الروسية، موضحا أن الرباط تفصل بين الخلافات المرتبطة بتدبير الملفات الدولية وبين الشراكات التي تربطها بالدول الأخرى، مع استمرارها في الدفاع عن موقفها داخل المؤسسات الأممية وبمختلف الوسائل الدبلوماسية.
وامتدت تصريحات هلال إلى مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء "المينورسو"، التي يعود تأسيسها إلى سنة 1991، حيث اعتبر أن التطورات التي شهدها مجلس الأمن تمثل نقطة تحول في مسار تدبير النزاع، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة التي طبعتها النقاشات المتكررة بشأن ولاية البعثة وتجديد مهامها.
وتحدث السفير عن الاتصالات والترتيبات المرتبطة بمستقبل وجود البعثة، مشيرا إلى استعداد المغرب للتعاون مع الأمانة العامة للأمم المتحدة وتوفير الظروف الملائمة لأي إجراءات تنظيمية يتم الاتفاق بشأنها، بما يضمن سلامة عناصرها واحترام حقوقهم وامتيازاتهم القانونية.
وفي قراءته للأبعاد السياسية للمرحلة المقبلة، اعتبر المسؤول المغربي أن فشل تمرير المشروع الأمريكي لا يعني تراجع موقف المملكة أو تغيير توجهها بشأن التسوية، مشيرا إلى أن ما حدث يفرض إعادة تقييم مسار التعاطي الدولي مع القضية، خصوصا في ظل التحولات التي عرفها الملف منذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، وصولا إلى القرار الأممي رقم 2797 لسنة 2025.
كما أبرز أهمية معالجة الجوانب الإنسانية المرتبطة بمخيمات تندوف، وفي مقدمتها إحصاء السكان وتحديد أوضاعهم، إلى جانب توسيع المشاركة في المشاورات السياسية، معتبرا أن تجاوز الاختلالات التي رافقت المراحل السابقة يقتضي مقاربة أكثر وضوحا وواقعية، تأخذ بعين الاعتبار مختلف المعطيات السياسية والإنسانية والتنموية المرتبطة بالنزاع.
وختم عمر هلال حديثه بالتأكيد أن 30 أكتوبر يشكل، في نظره، فاصلا بين مرحلتين في تاريخ تدبير قضية الصحراء المغربية، معبرا عن أمله في أن تحمل الفترة المقبلة تحولا إيجابيا في مسار الملف، ومعلنا أن المغرب يتطلع إلى فتح صفحة جديدة بعيدا عن الممارسات التي طبعت النقاشات السابقة داخل مجلس الأمن.
وقال في هذا السياق إن ما بعد 30 أكتوبر ينبغي أن يكون بداية لمرحلة مختلفة، معربا عن تفاؤله بإمكانية كتابة صفحة جديدة في مسار القضية.