“ثورة الابتسامة” بالجزائر ومخاوف من السيناريو المصري – الجريدة 24

"ثورة الابتسامة" بالجزائر ومخاوف من السيناريو المصري

الكاتب : وكالات

18 مارس 2019 - 07:00
الخط :

صباح الجمعة 15 مارس 2019، تحلق مروحية الشرطة على ارتفاع منخفض، بشكل يمكّن من رؤية قائدها وطاقمه، يرقُبون السيل البشري المنحدر من الأبيار نحو وسط العاصمة، عبر أزقّة  حي كريم بلقاسم (تيلميلي)، للمشاركة في الجمعة الرابعة توالياً و المطالبة بتغيير النظام الجزائري.

«التغيير الجذري للنظام» هي العبارة الوحيدة التي يتقاسمها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة مع شعبه، في الوقت الحالي، لكن الاختلاف بين الجانبين عميق جداً، حول «الكيفية والموعد»، فبينما يقترح الأول خطة عمل من سبع نقاط، يُصرُّ الثاني على الرفض المطلق بالتظاهر في الشوارع قائلاً «ترحلوا يعني ترحلوا».

وبين ثنايا الصور الفريدة في تاريخ التظاهر السلمي السياسي التي يصنعها الجزائريون منذ 22 فبراير/شباط 2019، تكمن أزمة حقيقية حول «انتقال السلطة»، و «كيفية الذهاب نحو الجمهورية الثانية».

هذه المرة.. مليونية أقوى

خمسة أيام كانت كافية ليحصل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على إجابة كافية من شعبه، حول خطة عمل قال فيها «إنه لم يكن ينوي الترشح لعهدة خامسة». وأعلن بموجبها عن تأجيل الانتخابات، وتنظيم ندوة وطنية جامعة ومستقلة، تتولى وضع أُسس الجمهورية الثانية، وتغيير النظام بشكل سيادي. الإجابة كانت «لا»، قالها ملايين الجزائريين الذين خرجوا في شوارع 48 ولاية، وبأعداد أكبر من جُمعات 22 فبراير و1 و8 مارس. وتميزت الجمعة الرابعة على التوالي لما بات يُعرف بثورة «الابتسامة»، بقوافل بشرية ضخمة امتلأت بها شوارع الولايات، وبالأخص مدينة العاصمة، بالنظر لأهميتها السياسية، منذ الساعات الأولى للصباح حتى قبل صلاة الجمعة. واختفى شعار «إسقاط العهدة الخامسة» الذي كان سبباً مباشراً ومَطلباً أساسياً، نَجَم عن شعور الجزائريين بإهانة بالغة، عندما أعلنت أحزاب المولاة ترشيحها لبوتفليقة، منتصف الشهر الماضي. وبدا واضحاً ارتفاع سقف المطالب، بشكل تجاوز ما ورد في الرسالة الأخيرة لبوتفليقة من إجراءات. وعبَّر المحتجون عن رفضهم لوجود نورالدين بدوي على رأس الحكومة الجديدة، ونائبه الدبلوماسي رمطان لعمامرة. كما رفضوا الوساطة التي يريد أن يقوم بها الدبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي. وقال الجزائريون، الذين غزوا الشوارع، إن المطلب الأساسي «هو رحيل كل وجوه النظام». ولا «يريدون رؤية كل مَن شغل منصباً تحت رئاسة بوتفليقة على رأس أية حكومة توافق أو كفاءات». ورفعوا صور الدائرة القريبة من الرئيس، على غرار شقيقه الأصغر ومستشاره السعيد بوتفليقة، ورجل الأعمال علي حداد، ورئيس المركزية النقابية عبدالمجيد سيدي سعيد، وكتبوا عليها «مطلوبون wanted». وأبرز الوجوه الأخرى التي عملت في الحكومات المتعاقبة للرئيس بوتفليقة. ولم يغِب عن عقول المتظاهرين توجيه رسائل قوية للخارج، تُطالب بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وبالأخص لفرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون. ويُبدي الجزائريون حساسية مفرطة تجاه التعليقات التي تصدر من عواصم أجنبية تجاه ما يجري في بلادهم. ويقولون بشيء من الجِدِّ والهزل «لا تتدخلوا.. إنه مشكل عائلي«. وتتواصل مسيرات الجزائريين ضدَّ استمرار بوتفليقة في الحكم في أجواء سلمية مبهرة، وتضامُن مميز بين الشرطة والمحتجين، ومشاركة مختلف الفئات العُمرية. وهو ما جعل بعضَ المراقبين يطلقون عليها اسم «ثورة الابتسامة».

حزمة الإجراءات التي لم تعجبه.

أبرزها التراجع عن الترشح لعهدة خامسة، وتأجيل تنظيم الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررةً يوم 18 أبريل 2019.

وتنظيم ندوة جامعة لبناء النظام الجديد والجمهورية الجديدة التي لن يكون معنياً بها.

وقام بوتفليقة بتعيين وزير الداخلية نورالدين بدوي وزيراً أولاً، خلفاً لأحمد أويحيى.

وأصدر مرسوماً خاصاً، استحدث بموجبه منصبَ نائب الوزير الأول، كلَّف به الدبلوماسي الشهير رمطان لعمامرة، رفقة حقيبة الخارجية.

استعان الرئيس المنتهية ولايته برفيقه، الدبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي، آملاً أن يوظف خبرته في مدِّ جسور الحوار مع شباب المسيرات والساسة المعارضين، وتهيئة الظروف لتنظيم الندوة الوطنية الجامعة المستقلة. وباشر الثلاثي مهمة التواصل مع الشعب الجزائري عبر وسائل الإعلام، بشكل فوري. لكن دون إقناع، إذ خرج الملايين إلى الشوارع بعد 24 ساعة من ندوة صحفية مشتركة للوزير الأول ونائبه. وتعرَّض الأخضر الإبراهيمي -المشهور بوساطاته الدولية لمناطق النزاعات في العالم العربي- لانتقادات لاذعة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ اتُّهم «بشهادة الزور«، وعدم قول الحقيقة بشأن الوضع الصحي للرئيس، وأنه رجل تجاوزه الزمن لفهم لغة الشعب الجزائري الذي يشكل الشباب 70% من ديمغرافيته. وعلَّق المبعوث الأممي الأسبق لسوريا، على ما تعرفه بلاده في حوارين تلفزيونيين، الخميس 14 مارس/آذار، بالقول إن «الجزائر تعيش أزمة»، و «وضعاً خطيراً للغاية»، لن يُحل إلا بالحوار بين أبناء الوطن الواحد.

أزمة دستورية.. غير مقبولة

استعانة الرئيس بوتفليقة بالمدرسة الدبلوماسية لشرح الفترة الانتقالية التي يريدها قبل مغادرة الحكم، تدل على أن «البلد أمام أزمة دولة»، وليس مجرد انسداد سياسي، أزمة تتطلب طمأنة الشركاء الأجانب بأن النظام الحاكم مسيطر على الوضع، ويضع تصوراً ملائماً لتحقيق الانتقال الديمقراطي. أُسندت المهمة الأخيرة لوزير الخارجية القديم الجديد رمطان لعمامرة، المعروف بشبكة علاقاته الدولية الواسعة. وسيحل الثلاثاء المقبل بموسكو، حيث سيلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف، ليقدم رؤية الحكومة للحل. ولعل جوهر أخطر أزمة تتهدّد حكم بوتفليقة منذ انتخابه عام 1999، يكمن في الدستور، إذ يُتهم مِن قبل المعارضة والشارع بأن إجراءاته القاضية بإلغاء الانتخابات «تمديد للعهدة الرابعة»، دون سند دستوري، لأن «التأجيل لا يكون إلا في حالة الحرب»، وفقاً للقانون الأسمى للبلاد. وكان نائب الوزير الأول رمطان لعمامرة، قد أوضح أن «إلغاء الانتخابات استُمد من روح الدستور، وفرضته المصلحة العليا للبلاد، ومطالب الشعب الذي كان يرفض العهدة الخامسة والانتخابات». واستدلَّ لعمامرة، بالرئيس السابق زروال، الذي قرَّر تقليص عهدته الانتخابية سنة 1998، بشكلٍ منافٍ للدستور. لكنه «استجاب للمصلحة العليا للدولة، وسلَّم المهام في ظروف ملائمة لعبدالعزيز بوتفليقة، عقب انتخابات رئاسية».

تعقيدات أخرى مرتبطة بالدستور

مع عودة بوتفليقة من سويسرا، وبعد كل ما قيل عن وضعه الصحي الحرج، تجنّد بعض النشطاء المعارضين استعداداً لكل قرار سيصدر من الرئاسية، وأجمعوا على رفض » تطبيق المادة 102 من الدستور، التي تنص على إعلان حالة المانع وشغور منصب رئاسة الجمهورية».

وكشفت مصادر معارضة تصنف نفسها «بالراديكالية» لـ «عربي بوست»، أنه «لو طبق بوتفليقة هذه المادة فستكون مناورة شرعية، لا ينبغي علينا أن نقبلها»، لماذا؟ يجيب محدثنا: «في هذه الحالة ستؤول الرئاسة بالنيابة لرئيس مجلس الأمة عبدالقادر بن صالح، الذي سيتولى الإشراف على انتخابات في غضون 90 يوماً، بمعنى أن نفس النظام سيحضر للانتخابات المقبلة، ونحن نريد رحيل كل النظام».

المَخرج الدستوري الثاني، الذي كان بإمكان بوتفليقة اللجوء إليه، ويطالبه بذلك عدد واسع من الجزائريين هو «تقديم الاستقالة»، وفي هذه الحالة سيتولى رئيس مجلس الأمة رئاسة الدولة لفترة انتقالية، ما يعني بقاء ذات النظام، بالنسبة لجزء واسع من المعارضة.

المَخرج الدستوري الثالث يتمثل في وفاة الرئيس، وينص دستور البلاد في هذه الحالة أيضاً على تولي رئيس مجلس الأمة الرئاسة بالنيابة، حتى تنظيم الانتخابات.

وكلها مخارج تتعارض مع مطالب المحتجين «بالرحيل الفوري والتغيير الجذري للنظام».

حلول غير دستورية

أمام ارتفاع سقف المطالب، وتنامي احتمالات استمرار الغضب الشعبي في حالة تسلّم عبدالقادر بن صالح، رئيس مجلس الأمة، رئاسة الدولة لمدة 90 يوماً أو 135 يوماً، قرَّر الرئيس بوتفليقة سلوك طريق غير دستوري. هذا الطريق بني على فكرة تفويض صلاحيات رئاسية معتبرة إلى الندوة الجامعة المستقلة، لتتولى إعداد دستور جديد، وتعيين حكومة كفاءات وطنية، وتحديد تاريخ الانتخابات الرئاسية. وفي الحالة العادية يُعتبر إقرار تعديل الدستور وتحديد موعد الانتخابات وتعيين الحكومة من الصلاحيات الكبرى للرئيس، وهو ما جعل الأخضر الإبراهيمي يدافع عن بوتفليقة قائلاً: «هو يقول لكم أنا ذاهب، جهِّزوا لي طريق الخروج». وقال بوتفليقة إن تنفيذ هذه الخطة يتم بالتوازي مع ضمان استمرار المؤسسة الدستورية للدولة، كالبرلمان بغرفتيه، والمجلس الدستوري، حتى انتخاب رئيس جديد يُسلمه بوتفليقة المهام وكلَّ الصلاحيات، في إطار الجمهورية والنظام الجديدين. المَخرج غير الدستوري الثاني هو ما تريده المعارضة الراديكالية، وجزء واسع من الشعب، فالمطالب «برحيل النظام كله» تعني شيئاً واحداً، هو «الفراغ الدستوري»، الذي سيتطلَّب تشكيل حكومة وفاق وطني بوجوه جديدة لا يعارضها الشعب ولا الأحزاب السياسية المعارضة، والتحضير لانتخابات المجلس التأسيسي الذي سيتولى صياغة دستور جديد للبلاد، ويضع أسس الجمهورية الثانية. هذا المخرج يهدد البلد الذي نجا من عنف الربيع العربي، إلى قطع نفس الطريق الذي اتَّخذته تونس، ومصر خصوصاً، إذ يخشى مراقبون من الدخول في متاهة «الجدل والانسداد، وإهدار الكثير من الوقت للفراغ من إعداد الدستور»، وقال يزيد (37 سنة)، أحد المعارضين، لـ «عربي بوست»: «في هذه الحالة سنكون أمام سقوط النظام بأكمله، والبلاد ستتأثر اقتصادياً، وعندها لن نختلف في شيء عن دول الربيع العربي.. سنضيع سنوات». بينما يرى معارضون راديكاليون أن النظام «هش منذ سنة 2012، تاريخ اختفاء بوتفليقة عن النشاط الرئاسي، وبالتالي لا بد من قطع الصحراء لبناء نظام قوي يليق بتطلعات الشعب».

احتمالات تدخل الجيش وسيناريو مصر

عقب المسيرات المليونية التي عرفتها البلاد الجمعة 15 مارس، وقيام التلفزيون العمومي بتغطيتها بجرأة غير معهودة، يُنتظر أن يلعب بوتفليقة ببعض الأوراق التي مازالت بحوزته، وقد يلجأ إلى مطالبة الوزير الأول بدوي بتقديم استقالته حتى قبل تشكيل الحكومة، نظراً للرفض الشعبي الذي قوبل به.

وسيكون عبدالعزيز بوتفليقة بعد 28 أبريل 2019، رئيساً غير شرعي بالمنظور الدستوري، فهل سيواصل في خطة العمل التي طرحها في العاشر من الشهر الجاري ورَفَضها الشعب، أم سيتخذ خطوات أخرى أكثر استجابة للمطالب الشعبية؟

وحتى الآن، يُبقي الجيش الجزائري، بقيادة الفريق أحمد قايد صالح، على المسافة القانونية اللازمة مع الساحة السياسية، لكنه قد يكون مجبراً في حالة فشل السياسيين من الجانبين في إخراج البلاد من دائرة الأزمة.

وإذا ما قرَّر الرئيس بوتفليقة الاستقالة أو تطبيق حالة المانع الصحي، وتسلم رئيس مجلس الأمة المهام الرئاسية بالنيابة، سيكون على الجيش التدخل لحماية المسار الدستوري إذا ما وُجدت معارضة قوية لهذا المخرج، لأن من المهام الأساسية للجيش «حماية الدستور».

أما إذ فشل الساسة في قيادة مرحلة انتقالية بعد إجبار بوتفليقة ونظامه على الرحيل، فقد يكون الجيش مضطراً للتدخل على الطريقة المصرية، عقب الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، وقيادة المجلس العسكري لمرحلة مؤقتة.

آخر الأخبار