جريمة مؤنثة... قتلته بين أشجار الزيتون - الجريدة 24

جريمة مؤنثة... قتلته بين أشجار الزيتون

الكاتب : الجريدة24

07 مايو 2022 - 04:00
الخط :

 

رضا حمد الله

سبعة أطفال في حقل الزيتون على مشارف الحي حديث البناء والتجهيز بمحيط تلك المدينة الصغيرة معقل الزيت والزيتون قبل أن ينبت الإسمنت بدلا عن أشجاره ويزحف على أراضيه الفلاحية الشاسعة. بعضهم يداعب الكرة بمساحة فارغة بين الأشجار، وآخرون يبحثون في أغصانها عن أعشاش طيور يعبثون ببيضها أو يستولون على فراخها. صيحاتهم وشغبهم طال في ذاك اليوم المشمس.
ظلوا على هذا الحال مدة عاشوا فيها كل التقلبات. تلاسنوا وتدافعوا وتخاصموا وتصالحوا. كل ومزاجه، لكنهم متعايشون يخلقون الفرح والمرح من اللاشيء بعيدا عن جدران منازل أسرهم تلفظهم كل صباح من أيام العطلة، فيرتاحون من عتاب الأم وعنف الأب كلما أحدثوا ضوضاء أو زادت حركيتهم. المنازل تكون أكثر هدوءا في غيابهم وتهتز بعودتهم. حقل الزيتون شاهد على يومياتهم، يقضون أحيانا أطول مدة بين أغصانها المتآلفة مع شغبهم.
كانت الأمور على عادتها، حتى سمع صياح أحدهم اختفى بين الأشجار عله يظفر بفراخ طيور يتباهى باصطيادها. نادى بعضهم بأسمائهم ودعاهم للالتحاق به كما لو كان شغل صفارات إنذار. لا أحد توقع سبب هذا الاستنفار. جميعهم تسابقوا إلى حيث يوجد، متخلين عن الكرة وملابسهم وأغراضهم. كان خائفا مرتابا وقد اصفر وجهه. وتلعثم وهو يحاول إيصال الرسالة بوصولهم.
- شخص مقتول هناك
قالها وهو يرتعش، فرافقوه ليتيقنوا.
شخص خمسيني منبطح على بطنه وسط بركة دم. يلبس سروال جينز ونصفه الأعلى عار. في ظهره أثر جرح كما في رأسه. لقد تعرفوا عليه بسهولة، ملامحه واضحة رغم الدم الذي غطى وجهه. لم يلمسوه ووقفوا مشدوهين لا حيلة لهم للتصرف. بعضهم بكى وكبيرهم حفزهم على ترك الجثة والعودة لديارهم لإخبار أقاربهم.
أب كبيرهم أول من التقوه في طريقهم، متوجها لمقهى على مرمى حجر، فرافقهم لحيث الجثة وعمم الخبر واستنفرت المصالح الأمنية عناصرها. بعد المعاينة وتصوير الجثة وإنجاز محضر بذلك، نقلت الجثة لمستودع الأموات وانطلق البحث من المحيط العائلي للضحية. ضابط الشرطة أخذ إفادات الزوجة والأبناء وباقي أفراد الأسرة، لكن لا أحد أفاد البحث، جميعهم لم يهتدوا لما وقع له. كل ما يعرفونه أنه غادر المنزل قبل يوم ولم يعد إليه ولم يبت فيه. لقد ألفت الزوجة والأبناء على غيابه، لذلك لا يسألون عن الأسباب.
الضحية مقتول حقيقة لم يجاظل فيها أحد. لكن قاتله مجهول. الشرطة سابقت الزمن لفك لغز الجريمة. عناصرها تفرقت مجموعات. منهم من جالس معارفه وأصدقائه وآخرون باشروا أبحاث ميدانية. شهادة نادل مقهى زرعت بذور الأمل في نفوس المحققين. لقد رآه قبل يوم مارا مع فتاة أدلى باسمها. كان يعرفها ويعرف علاقتهما. منذ 3 سنوات وهما مرتبطين عاطفيا دون عقد نكاح. كانت على معرفة بزواجه وكونه أب، وهو كان يعرف سوابقها قبل وبعدما استقرت بالمدينة قادمة من إقليم مجاور من حيث تتحدر وطردها والدها بعدما حمات سفاحا من علاقة غير شرعية.
إلقاء القبض عليها لم يطل، فقد اهتدت الشرطة لمكان وجودها في شقة بنفس الحي قرب المحطة الطرقية. كانت رفقة شابين حينما داهمتها عناصرها. فرا فوق السطوح وبقيت هي هناك لأنها لن تستطيع القفز فوق الأسوار. وزنها وقوامها لا يسمحان بذلك. استسلمت للأمر الواقع، ولم تقاوم والأمني يضع الأصفاد بيديها قبل اقتيادها للدائرة الأمنية وانطلق البحث. استمع إليها في محضر، فلم تنكر قتله. حكت تفاصيل كل ما وقع في ذاك الصباح الباكر.
كعادتهما وكلما اختليا ببعضهما، قضيا الليلة معا بغرفة يكتريها في غفلة من الزوجة والأهل. عاقرا الخمر وذابا في بعضهما كما ألفوا كلما اقتنصوا الفرصة. وفي الصباح كان بصدد إيصالها إلى المحطة. كانت تنوي السفر. اختارا طريقا مختصرة وسط أشجار الزيتون. ومشيا مسافة، قبل أن يجلسا لتدخين سيجارة. كان مفعول الخمر باق. لم يستفيقا بعد من سكرهما الطافح. لقد احتسبا قنينتين من النبيد.
تحادثا وتحركت مشاعره. عبثا حاول إقناعها بالبقاء معه يومين آخرين وتأجيل السفر. النقاش كان هادئا في بدايته. هو اقترح التأجيل، وهي أصرت على الرحيل. وبين محاولاته الإقناع، وتشبثها بقرارها، بدأ منسوب غضبه يزداد تدريجيا. لم يقبل أن ترفض له طلبا، فما فعلت يوما. كانت دوما له مطيعة. ولا يفترقا إلا عن اقتناع. لكنها هذا المرة كانت عنيدة في اختيارها الرحيل رغم إصراره على بقائها.
- أتكون مع موعد مع شخص آخر؟
تساءل في قرارة نفسه وفكر مليا في الاحتمال. شرد في وقت انكبابها على إفراغ ما تبقى في قنينة خمر، في جوفها. كانت تعتزم الاحتفاظ بها. لكن فتح النقاش، فتح شهيتها.
زادت حدة النقاش تدريجيا كما منسوب غضبهما وعكر صفاء ودهما. حاول أن يجبرها على البقاء دون أن يفلح فتلاسنا وتبادلا السب والشتم بكلمات نابية خافتة كانت تنساب بين شفتيهما. رغم خاصمهما، بقي صوتهما خافتا كي لا يثيرا انتباه من يمكن أن يمر صدفة بالمكان. لكن هذا الهدوء سرعان ما كسر بعدما كسر زجاجة النبيد وحاول الاعتداء عليها. انتبهت لعصبيته وحركته، وتحاشت ضربة كانت سترسم  خارطة طريق ضياعها في وجهها الذابل.
إن البادئ أظلم. شعار صرفته في رد فعلها اتجاه محاولته ضربها بقنينة الخمر المكسورة. نهضت من مكانها وابتعدت لمسافة قصيرة وتناولت حجرة رشقتها بها. كانت الضربة مركزة وقوية أصابتها في جبهته. خارت قواه وسقط. كان يبكي وهو يعاتبها. لم ترحمه. تناولت بقايا القنينة وغرزتها في ظهرها لما كان يهم بالنهوض لمقاومتها. زادت ضرباتها فزاد أنينه الذي لم يسمعه غيرها.
خمدت أنفاسه تدريجيا وتحسست أعضاءه وتيقنت أنه عاجز عن المقاومة. جلست قربه قليلا وكأنها تنتظر استفاقته ولما لم يتحرك تركته يواجه مصيره ورحلت. أكملت المشي في نفس الطريق. كانت تجر خيوط الخيبة. لقد ضاعت منذ ضيع العشيق شرفها وطردتها الأسرة لترتمي في أحضان من يدفع ولو القليل من المال طمعا في استقرار لم يتحقق بتعرفها عليه وطول علاقتهما كانت نفعية. هو ينتفع من جسدها، وهي تنتفع بما يتصدق به عليها كلما جمعهما الفراش.
في طريقها إلى المحطة التقت صديقيها. كانت تحتاج لسند ومن تتنقس معه هواء الأمل. لذلك لم ترفض طلبهما الاختلاء في ذاك المنزل القريب من المحطة. فيه جلسوا ساعات احتسوا الخمر وتناقشوا واسترجعوا شريط الذكريات رغم مرارتها. كانت جلسة بوح حكى فيها كل واحد ما يخفيه. هما مبحوث عنهما لتورطهما في قضايا سرقة متعددة، وهي ارتكبت لتوها جريمة قتل في حق من شاركته الفراش طويلا. كل منهم يعرف سر الآخر. وكتمان السر تعاهدوا عليه في جلستهم التي لم يذوب حميمتها غير دقات قوية على الباب. الأمن وصل، خفتهما مكنتهما من الفرار، وثقل وزنها أجهض محاولتها.
أوقفت دونهما واقتيدت للدائرة الأمنية وحقق معها وحوكمت أمام غرفة الجنايات وحكم عليها بعقدين سجنا بجناية القتل العمد. عقوبة مرت ثوانيها ثقيلة عليها في زنازين الضياع. وبإتمامها كان الجسد شاخ ولم يعد فيه ما يغري. لم يعد رأسمالا يذر دخلا، فتجارة جسدها كاسدة. ولم يتبقى غير مد اليد توسلا لعابر سبيل الجامع، لعله يتصدق عليها بقليل المال تعرفه أنه لن يكفي حتى للوفاء باحتياجاتها من السجائر.

غير مصنف