الصحراء التي لامست النجوم: كيف حول فنان ألماني واحة فَزْنَا إلى مرصد كوني مفتوح
عبد الغفور روبيل - باحث مغربي في مجال الأدب والنقد
كثيرا ما قرأنا عن النجوم والكواكب والمجرات، وعن فلسفة الكون واتساعه اللامتناهي، فبدت لنا تلك العوالم البعيدة معرفة نظرية خالصة، لا تدرك إلا عبر معادلات رياضية معقدة، أو من خلال مختبرات فلكية متخصصة، أو عبر حسابات دقيقة للأبعاد والزوايا في فضاء تجريدي، فكان الكون بالنسبة إلينا فكرة تتأمل أكثر مما تعاش، وصورة تتخيل أكثر مما تلامس.
غير أن فنانا ألمانيا قرر أن يكسر هذه المعادلة، وأن يحول العلاقة بين الأرض والنجوم من فكرة مجردة إلى واقع ملموس يمكن السير داخله وتأمله، داخل قلب الصحراء المغربية، وتحديدا في سهول الجماعة الترابية فَزْنَا، حيث شيدت أعمال معمارية فريدة أطلق عليها "أهرامات المغرب" باللسان المحلي، التي تحاول أن تجسد السماء فوق الأرض، وأن تجعل من الصحراء مرصدا مفتوحا للكون، صاحب هذه المغامرة الفنية هو المعماري والفنان الألماني هانسيورغ فوث (Hannsjörg Voth)، الذي آمن بأن الفن قادر على إعادة وصل الإنسان بالنجوم، لا عبر التلسكوبات، بل عبر الحجر والطين والفضاء المفتوح.
يعد هانسيورغ فوث (Hannsjörg Voth)، المولود سنة 1940 بباد هارتسبورغ، فنانا ألمانيا اشتغل على تخوم الفن والعمارة والرمز الكوني، حيث تلقى تكوينه الفني بمدينة بريمن، غير أن تجربته الإبداعية اتخذت مسارا خاصا حين جعل من المكان عنصرا مؤسسا في ممارسته الفنية وفلسفته الجمالية، فارتبط اسمه بحركة فن الأرض (Land Art)، التي لا تنظر إلى الطبيعة بوصفها خلفية للعمل الفني، بل باعتبارها جزءا من بنيته الدلالية والجمالية.
عندما تحولت واحة فَزْنَا إلى صلة بين الأرض والنجوم:
وقد وجدت هذه الرؤية تجسيدها الأبرز في واحات الصحراء المغربية، وتحديدا في منطقة الجماعة الترابية فَزْنَا، التي احتضنت أهم مشاريعه الفنية، من خلال هذا الفضاء الصحراوي المفتوح، سعى فوث إلى إعادة بناء علاقة رمزية بين الإنسان والكون، عبر منشآت معمارية ذات بعد تأملي، تهدف إلى ربط الأرض بالنجوم واستعادة معنى الانتماء إلى النظام الكوني.
اكتشف هانسيورغ فوث الصحراء المغربية خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين شده اتساع سهول فَزْنَا، وصفاء أفقها، وصمتها العميق، ولم يكن هذا الاكتشاف مجرد اختيار جغرافي، بل كان اختيارا وجوديا وجماليا في الآن نفسه، إذ وجد في الصحراء فضاء قريبا من الأزمنة الأولى للإنسان، حيث كان المعمار مرتبطا بالطقس، والرصد الفلكي، وتنظيم العلاقة بين السماء والأرض، من هنا بدأ أولى تجاربه الكبرى في المنطقة، من خلال مشروعه المعروف باسم "سُلَّم السماء" (Himmelstreppe).
سلم السماء… معمار الصعود:
أُنجز هذا المشروع بين 1980 و1987 بتمويله الذاتي، وهو عمل يعكس بوضوح شغف الفنان بعلم الفلك وسعيه إلى تحويل البناء إلى فعل رمزي، ويتمثل سُلَّم السماء في مثلث قائم الزاوية عملاق، شيد بأيدي الحرفيين المحليين أبناء فزنا، اعتمادا على تقنيات البناء التقليدي، من أساسات حجرية وجدران من الطين، يبلغ ارتفاعه نحو 16 مترا، ويتكون من 56 درجة تلقي بظلالها على محيطها الصحراوي، كما يتيح البناء الولوج إلى داخله، حيث تتوزع غرف متعددة داخل هيكله، مما يمنحه بعدا معماريا وتأمليا في آن واحد.
لا يمكن قراءة هذا العمل بمعزل عن أبعاده الأنثروبولوجية، إذ يستعيد وظيفة المعمار البدائي الذي لم يكن يشيد للسكن فقط، بل كان يقام لتأطير العلاقة بين الإنسان والسماء، وتنظيم الزمن والاتجاه والمعنى، فالسلم هنا لا يقود إلى مكان محدد، بل يرمز إلى فكرة الصعود والتطلع، وإلى رغبة الإنسان الدائمة في تجاوز محدوديته، وتجسيد فلسفة الكون على الأرض.
اللولب الذهبي… حركة الزمن:
قاد المشروع الأول إلى إنجاز عمل ثانٍ أكثر امتدادا، هو "اللولب الذهبي" (Goldene Spirale)، المعروف أيضا باسم "الحلزون"، والذي شيد بين 1993 و1997، ويتمثل هذا العمل في جدار حلزوني يمتد على طول 260 مترا، ويتوسطه بئر به قارب صغير، بينما يبلغ ارتفاع الجدار نحو ستة أمتار وسط أرض منبسطة، يستلهم هذا المشروع النسبة الذهبية، ويجسد حركة الدوران بوصفها رمزا كونيا للزمن والديمومة، حيث يتحول السير داخل اللولب إلى تجربة جسدية وتأملية تشرك المتلقي في إيقاع المكان بدل الاكتفاء بمشاهدته من الخارج.
مدينة أوريون… السماء على الأرض:
أما المشروع الثالث والأكثر كثافة رمزية، فهو "مدينة أوريون" (Stadt des Orion)، التي أُنجزت بين 1998 و2003 في قلب فضاء صحراوي شاسع، حيث تتكون هذه المدينة من سبعة أبراج كبيرة تشكل نموذجا ثلاثي الأبعاد لكوكبة أوريون، في محاولة فنية لتمثيل السماء على سطح الأرض، ولم يكن اختيار هذه الكوكبة اعتباطيا، إذ تحظى أوريون بمكانة مركزية في المخيال الأسطوري للعديد من الحضارات، حيث ارتبطت بالإله أوزيريس لدى المصريين القدماء، كما حضرت في الأساطير السومرية واليونانية والصينية.
وقد حُسبت أبعاد الأبراج وترتيبها بدقة، بما يتناسب مع سطوع النجوم وأحجامها، وشيدت من الطوب والمواد الطبيعية نفسها التي وسمت أعمال فوث السابقة، كما تبدو هذه الأبراج أشبه بمراصد فلكية رمزية، تسمح بتتبع مسار النجوم السبعة الأكثر وضوحا في الكوكبة، مؤكدة مرة أخرى سعي الفنان إلى إقامة حوار بصري ومعرفي بين الأرض والسماء.
جمالية الأثر والبطء:
من منظور جمالي تشتغل تجربة هانسيورغ فوث على جمالية الأثر والبطء، حيث لا تسعى منشآته إلى فرض حضورها على المكان، بل إلى الاندماج فيه، وقبول التآكل والتغير بوصفهما جزءا من العمل ذاته، لأن الزمن هنا ليس عدوا للبناء، بل عنصرا مكملا له، ما يفسر سر استعمال الحجر والطين في عملية البناء، ويجعل هذه الأعمال أقرب إلى ذاكرة مفتوحة منها إلى معمار مغلق، وبهذا المعنى يتحول العمل الفني إلى تجربة حسية ومعرفية، تشرك الجسد في السير والنظر والانتظار، وتعيد للمتلقي دوره بوصفه مشاركا لا مجرد متفرج.
لتشكل أعمال هانسيورغ فوث بالجماعة الترابية فَزْنَا تجربة فنية نادرة، يتقاطع فيها المعمار، والفن، والفلك، والأسطورة، لتجعل من الصحراء فضاء للتأمل الكوني، ومن البناء فعلا فلسفيا يعيد طرح سؤال موقع الإنسان داخل نظام كوني أوسع، فهي ليست مجرد منشآت فنية، بل محاولة لإعادة تأسيس معمار للمعنى، يستعيد فيه الفن دوره بوصفه وسيطا بين الإنسان والكون، لا مجرد منتج للعرض والاستهلاك.