مشكلة إعادة تشكيل آليات التمثيل بالمغرب

الكاتب : الجريدة24

12 يونيو 2026 - 11:08
الخط :

فتح الله رمضاني

لم تعد إرهاصات المحطات الانتخابية في المغرب، تفتح الباب فقط أمام أشكال ومظاهر التحضير الحزبي لهذه المحطات، بل صارت مرتبطة بمجموعة من النقاشات التي تعود إلى واجهة الفضاء العمومي قبل كل استحقاق انتخابي، ولعل أبرز هذه النقاشات هو نقاش نسب المشاركة، ومستويات مساهمة الأحزاب السياسية في الرفع من هذه النسب، من خلال قدرتها على تعبئة المواطنات والمواطنين من أجل المشاركة في الانتخابات.

إن تصدر هذه النقاشات لواجهة الفضاء العمومي، وبالرغم من أهميتها فيما يتعلق باستمرارية تدعيم النموذج الديموقراطي المغربي، يكون سببا في تغييب نقاشات أخرى لا تقل أهمية عنها، بل تفوقها أهمية، ذلك أن السؤال الحقيقي المرتبط باستمرار عملية تدعيم الديموقراطية بالمغرب، لا يتمحور حول نسب المشاركة وعلاقتها بإنتاج الشرعية التمثيلية، هكذا بهذه الصورة التبسيطية، بل إنه يتمحور بالأساس حول كيفية تنظيم من يمثل المغاربة من خارج صناديق الاقتراع؟ مادامت نسب المشاركة في الانتخابات ضعيفة.

الأكيد، أن التمثيل السياسي هو الركيزة الأساسية للأنظمة الديموقراطية، والمؤكد أنه ارتبط تاريخيا بالمؤسسات المنتخبة، وبالتالي بالأحزاب السياسية، على اعتبار أنها نتيجة طبيعية للأخذ بالنظام الديموقراطي القائم على شرعية التمثيل، لكن التحولات التي عرفتها المجتمعات المعاصرة، كانت كافية لمراجعة هذا المفهوم، أو على الأقل لإعادة تأطيره، حيث لم يعد التمثيل في الديموقراطيات المعاصرة مرتبطا بشكل وثيق بالمؤسسات المنتخبة، ذلك أنه أصبح موزعا بين مجموعة من الفاعلين، الذين يهدفون إلى التأثير في القرار السياسي وفي السياسات العمومية، ويتنافسون على تشكيل  وتوجيه الرأي العام، وبالتالي على التعبير عن المطالب المجتمعية.

بالنسبة للمغرب، فإن سؤال تنظيم من يمثل المغاربة من خارج صناديق الاقتراع؟ هو سؤال جوهري، خصوصا أمام نسب المشاركة المسجلة، وفي ضوء التحولات التي شهدها الحقل السياسي المغربي طيلة العقود الأخيرة، والموسومة بتزايد الهوة بين المواطنين والأحزاب السياسية، واتساع مساحات المجال العمومي الرقمي، والأهم ببروز أشكال وأساليب جديدة من الاحتجاج.

بناء عليه، هل الاكتفاء بالحديث عن أزمة التمثيل السياسي بالمغرب، من خلال نقاش مسبباتها وتداعياتها وسبل حلها، كفيل بالبحث في تصورات وتدابير جديدة، تمكن من ضمان سيرورة البناء الديموقراطي بالمغرب؟ أم أن الواقع يفرض البحث في كيفية التعامل مع عملية إعادة تشكيل آليات هذا التمثيل؟

قبل محاولة الجواب عن هذه الأسئلة، تجب أولا الإشارة إلى أن ربط أزمة التمثيل السياسي بالمغرب بتراجع الأحزاب السياسية، هو موقف غير سليم من الناحية النظرية، ذلك أن أزمة التمثيل غير مرتبطة بالظاهرة الحزبية المغربية، وبالتالي فهي ليست ظاهرة مغربية خاصة، بل إنها تعتبر من بين المآزق الحقيقية التي تواجه الديموقراطيات المعاصرة، ثم إن القول بتراجع حضور الأحزاب السياسية بالمغرب، الذي يرجع إلى مجموعة من الأسباب الذاتية والموضوعية، والذي نتج عنه فقدان ثقة المواطن فيها،  لا يعني تغييب أدوارها السياسية، خصوصا مع استحضار الأدوار الطلائعية التي لعبتها تاريخيا من أجل بناء الديموقراطية في المغرب، وسيما أنه لا يمكن تصور قيام نظام ديموقراطي من دون أحزاب سياسية، بل هو قول لا يعني غير أن هذه الأحزاب السياسية لم تعد مخولة لاحتكار التمثيل الاجتماعي، بعد أن تزايد أعداد المواطنين الذين لا يعتبرون أنها لم تعد  القناة الوحيدة القادرة على التعبير عن انتظاراتهم ومطالبهم.

فالمواطن عندما يفقد الثقة في الأحزاب السياسية، يكون بذلك قد فقدها في المؤسسات المنتخبة، وبالتالي فإنه يبحث عن بدائل غيرها، حتى وإن كانت هذه البدائل من خارج المنطق والنسق المؤسساتيين، ولعل هذا ما يفسر بروز ظاهرة التنسيقيات الفئوية، وظاهرة المؤثرين الذين أصبحت لهم قدرة كبيرة على تشكيل وتوجيه الرأي العام، وتنامي أدوار جمعيات المجتمع المدني، التي تعتبر في مغرب اليوم من أهم فضاءات التمثيل من خارج المؤسسات المنتخبة.

لكن، إن كان لا يصح ربط أزمة التمثيل بتراجع الأحزاب السياسية، فإنه لا يصح كذلك اعتبار ظهور فاعلين جدد يتنافسون على دور تمثيل المجتمع، انعكاسا ونتيجة لهذه الأزمة، ذلك أن هذا التعدد يعبر عن تنوع محمود بل مطلوب في أشكال المشاركة، شريطة ألا يكون سببا في تآكل الثقة في المؤسسات المنتخبة، وألا يؤدي إلى تضارب في مصادر الشرعية، كأن يعتقد كل فاعل من هؤلاء الفاعلين أنه الممثل الفعلي والحقيقي والوحيد للمجتمع.

هكذا، فإن النقاش المطروح على المغرب اليوم، لا يتعلق بأزمة التمثيل السياسي، ولا بالبحث عن بديل عن هذا التمثل، بل هو يتعلق بالأساس بالبحث عن كيفية التعامل مع عملية إعادة تشكيل آلياته، بصورة يتحقق فيها التكامل بين مختلف هذه الآليات.

وعلى هذا الأساس، تصبح الأحزاب السياسية مطالبة بتحيين فهمها لوظيفة ودور الحزبية، من خلال تطوير خطابها وتحديث آليات اشتغالها، وتصبح المؤسسات المنتخبة مطالبة بتعزيز قدراتها فيما يتعلق بالاستجابة لانتظارات المواطنين، ويصبح هؤلاء الفاعلون الجدد مطالبون بالمساهمة الإيجابية في إغناء النقاش العمومي والتعبير عن أصوات المواطنين الذين لم يجدوا تمثيلا كافيا في المؤسسات التقليدية، ولكن بصورة تنطلق من احترام قواعد الممارسة الديموقراطية.

فتمثيل المغاربة لم يعد مرتبطا بمخرجات صناديق الاقتراع، بل أصبح موزعا بين فاعلين متعددين، والرهان الحقيقي يتمثل في كيفية تنظيم هذا التعدد داخل نظام ديموقراطي قادر على الجمع بين الشرعية الانتخابية وصور المشاركة المجتمعية، فالأنظمة الديموقراطية الأكثر استقرارا في عالم اليوم، ليست تلك التي تقوم على احتكار كل أشكال التعبير السياسي من طرف المؤسسات المنتخبة، بل هي من تتوفق في خلق بيئة تفاعلية إيجابية بين مختلف الفاعلين داخل المجال العمومي.

آخر الأخبار