باب الخميس... بوابة التاريخ بين تحصينات المرابطين وأسواق مراكش
أمينة المستاري
في الجهة الشمالية من المدينة العتيقة لمدينة مراكش، يقف باب الخميس كواحد من أقدم الشواهد الحجرية التي تختزن ذاكرة المدينة الحمراء.
لم يكن هذا الباب مجرد منفذ في سور دفاعي، بل كان على مر القرون فضاء تعبر منه القوافل والأسواق والقصص، ونقطة التقاء بين المدينة وأسواق البادية والطرق القادمة من شمال المغرب.
يرجع تاريخ تشييد هذا الباب إلى النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي، عندما أمر الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين ببنائه حوالي سنة 1126م.
وقد جاء ذلك في سياق برنامج عمراني واسع أطلقه الأمير لتطوير مراكش وتعزيز مكانتها كعاصمة للدولة المرابطية ومركز سياسي وحضاري بارز في الغرب الإسلامي.
ففي تلك الفترة شهدت المدينة توسعا كبيرا، حيث شيدت معالم عمرانية بارزة مثل قبة المرابطين، كما تعززت الأسوار التي تحيط بالمدينة من جهاتها المختلفة، لتصبح مراكش مدينة محصنة تجمع بين القوة العسكرية والحيوية الاقتصادية.
اختير موقع الباب في الجهة الشمالية الشرقية للمدينة بعناية كبيرة، إذ كان يشرف على الطرق القادمة من مدن الشمال، وعلى رأسها فاس، التي كانت آنذاك مركزا علميا وتجاريا مهما في المغرب، ولهذا السبب عرف الباب في البداية باسم باب فاس، لأنه كان يستقبل المسافرين والقوافل القادمة من تلك الحاضرة العريقة. كما كان يؤدي إلى طرق تمر عبر تادلة وأزمور، وتربط مراكش بمناطق زراعية خصبة، الأمر الذي جعل منه معبرا اقتصاديا مهما للقوافل التجارية والفلاحين.
وقد اتسمت عمارة الباب بالطابع الدفاعي الصارم الذي ميز عمارة المرابطين؛ إذ شيد بالطين المدكوك والحجارة المحلية، واعتمد تصميما بسيطا يقوم على قوس حجري يفتح في السور، دون زخارف مفرطة. ويعكس هذا الأسلوب المعماري فلسفة المرابطين التي كانت تعطي الأولوية للوظيفة الدفاعية والتحصين العسكري أكثر من العناية بالزخرفة.
ومع تعاقب الدول على حكم مراكش، عرف الباب تحولات معمارية مهمة، ففي عصر الموحدين، الذين جعلوا من المدينة إحدى حواضرهم الكبرى، أدخلت عليه تعديلات دفاعية متقدمة، حيث أضيفت إلى ممره ثلاث زوايا قائمة وممرات منحنية، بحيث يضطر الداخل إلى تغيير اتجاهه عدة مرات قبل الوصول إلى داخل المدينة، وكان هذا التصميم الدفاعي يهدف إلى إبطاء حركة المهاجمين ومنعهم من التقدم بسرعة، كما يسمح للحراس بمراقبة الداخلين والخارجين والتحكم في حركة المرور.
وقد كان هذا النمط من التحصين شائعا في عمارة الموحدين، كما يظهر في بوابات أخرى مثل باب الرواح في الرباط.
ولا تزال آثار التصميم المرابطي الأولي واضحة إلى اليوم في الجدار الداخلي الغربي للباب، حيث يمكن ملاحظة بقايا المخرج القديم الذي تم إغلاقه لاحقا، وهو ما يعكس تطور العمارة الدفاعية في مراكش عبر العصور.
وفي بداية القرن التاسع عشر، شهد الباب عملية ترميم مهمة بأمر من السلطان العلوي مولاي سليمان ما بين سنتي 1803 و1804.
وشملت هذه العملية إعادة تأهيل أجزاء من البوابة وتزيينها بنقوش رخامية داخلية، تخليدا لعملية الترميم.
ويعكس هذا الاهتمام حرص السلاطين العلويين على صيانة البوابات التاريخية التي كانت تشكل جزءا من الهوية العمرانية للمدن المغربية.
ومع تطور الحياة الحضرية خلال القرن العشرين، وازدياد حركة المرور بين المدينة العتيقة والأحياء الجديدة، أزيل الباب الداخلي الذي كان يشكل جزءا من الممر المتعرج، ليصبح العبور عبر البوابة مباشرا، في محاولة لتخفيف الازدحام المروري.
هذا التعديل أدى إلى الشكل الحالي الذي نراه اليوم، حيث امتزجت فيه ملامح التاريخ بمتطلبات الحياة المعاصرة.
لكن أهمية باب الخميس لم تكن عسكرية أو عمرانية فحسب، بل ارتبطت أيضا بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، فمنذ قرون طويلة، كان ينظم خارج هذه البوابة سوق أسبوعي كبير كل يوم خميس، يجتمع فيه التجار والفلاحون والحرفيون القادمون من القرى المجاورة، ومع مرور الزمن أصبح هذا السوق من أشهر أسواق مراكش الشعبية، حتى أن اسم السوق طغى على اسم الباب نفسه، فتحول من "باب فاس" إلى باب الخميس.
ولا يزال هذا السوق قائما إلى اليوم بالقرب من البوابة، حيث يمتد على مساحات واسعة ويضم أسواقا للسلع المستعملة والأدوات التقليدية والمنتجات الزراعية، مما يجعل المكان فضاء نابضا بالحياة يجمع بين الماضي والحاضر.
ويرتبط الباب أيضا ببعض الروايات الشعبية والأساطير المحلية؛ فهناك حكاية متداولة تقول إن مؤسس الدولة المرابطية يوسف بن تاشفين جلب دفات الباب الخشبية من الأندلس بعد إحدى حملاته العسكرية هناك، وهو ما يعكس العلاقة التاريخية الوثيقة التي ربطت مراكش بالأندلس في العصر المرابطي.
كما يوجد خارج الباب مقام يضم قبر أحد الأولياء المرابطين، وهو ما يدل على أن المنطقة المحيطة به لم تكن مجرد فضاء عبور، بل كانت أيضا مجالا للذاكرة الدينية والروحية في حياة سكان المدينة.
ظل باب الخميس، عبر ما يقرب من تسعة قرون، شاهدا على تحولات مراكش السياسية والعمرانية والاجتماعية. فمن بوابة دفاعية في سور المرابطين، إلى فضاء اقتصادي نابض بالحياة، وصولا إلى معلمة تاريخي وسياحية اليوم، يختصر هذا الباب جزءا مهما من تاريخ المدينة الحمراء، حيث تلتقي طرق التجارة القديمة بحكايات الناس وذاكرة المكان.