جدل وصف بنكيران المرأة بـ"البلارج" يتواصل ويشعل انتقادات واسعة
لا تزال تصريحات رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، تثير موجة من الجدل الواسع في الأوساط المغربية، بعد تشبيهه النساء العازبات بطائر "البلارج"، في معرض حديثه عن أهمية الزواج بالنسبة للمرأة، خلال كلمة ألقاها في مؤتمر جهوي لحزبه بمدينة أكادير.
هذه التصريحات قوبلت بانتقادات شديدة من فاعلين مدنيين وحقوقيين وسياسيين، معتبرين إياها مسيئة للمرأة المغربية ومخالفة للدستور والقيم المجتمعية.
التشبيه الذي ورد في خطاب بنكيران لم يمر دون أن يُشعل موجة استياء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول النشطاء مقطع الفيديو على نطاق واسع، مرفوقًا بتعليقات غاضبة تطالب بالاعتذار، وتدين ما وصفوه بتكريس لخطاب تمييزي يقلل من شأن النساء، ويعيد إنتاج صورة نمطية تحصر المرأة في أدوار تقليدية.
واعتبر العديد من المعلقين أن هذه التصريحات تعكس ذهنية ذكورية متجاوزة تتناقض مع الواقع المتقدم للمرأة المغربية اليوم، في مجالات التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة.
في هذا السياق، أصدرت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة بلاغًا أعربت فيه عن استيائها الشديد مما صدر عن بنكيران، مؤكدة أن تصريحاته تشكل "إساءة صريحة لمكانة المرأة المغربية وكرامتها"، كما اعتبرت أن خطابه يمثل تراجعًا عن المكتسبات التي تحققت في مجال تمكين النساء، ويناقض روح المساواة التي ينص عليها دستور المملكة.
ودعت الجمعية إلى الدفاع عن حرية النساء في اختيار مسار حياتهن، سواء بالزواج أو التركيز على الدراسة والعمل، باعتبار أن هذه الخيارات تدخل في إطار الحريات الفردية التي لا ينبغي المساس بها.
وأشارت الجمعية إلى أن المغرب عرف تحولات كبرى فيما يخص النهوض بحقوق النساء، بدءًا من إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، ووصولًا إلى دستور 2011، الذي أكد في فصله التاسع عشر على المساواة الكاملة بين النساء والرجال في كافة الحقوق، بما في ذلك السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما شددت على أن التعليم والعمل ليسا فقط وسيلتين للتمكين الاقتصادي، بل ركيزتان أساسيتان في صون كرامة النساء وتحقيق استقلاليتهن.
من جانبها، وجهت ياسمينة بادو، الوزيرة السابقة المكلفة بالأسرة والطفولة، انتقادات لاذعة لبنكيران، معتبرة أن تصريحاته تُشكل "إهانة مباشرة لكرامة المرأة المغربية" و"تراجعًا خطيرًا عن مكتسبات النضال من أجل المساواة".
وقالت بادو، في تدوينة نشرتها على صفحتها الرسمية بموقع فيسبوك، إن تشبيه النساء بطائر اللقلق أو ربط مكانتهن الاجتماعية بالزواج فقط يُعد "خطابًا مهينًا لا يليق بشخصية سياسية يفترض أن تترفع عن الإهانة والتحقير".
وأضافت أن المرأة المغربية أثبتت نفسها في مختلف مجالات الحياة، من الطب إلى القضاء، ومن التعليم إلى السياسة، وبالتالي فإن تقزيمها في أدوار نمطية ماضوية يُعد تجاهلًا لواقع ملموس.
وأشارت بادو إلى أن مثل هذه التصريحات تسهم في تكريس ثقافة الإقصاء داخل المجتمع، وتتنافى مع ما يجب أن يحمله الخطاب السياسي من قيم الرصانة والاحترام، معتبرة أن زمن الوصاية على اختيارات النساء قد ولى، وأن بناء المغرب الحديث يتطلب مشاركة كاملة وفعالة من نصف المجتمع دون تمييز.
ودعت إلى القطع مع خطابات رجعية تتنافى مع تطلعات المغاربة، ومع المبادئ التي تقوم عليها الدولة المغربية الحديثة.
الجدل الذي أثارته تصريحات بنكيران فتح نقاشًا أوسع حول دور السياسيين في توجيه الرأي العام، وحول الحاجة إلى خطاب مسؤول يعكس التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ما يتعلق بمكانة المرأة.
وقد نبهت عدة فعاليات مدنية إلى خطورة الخطاب التمييزي في ظل تصاعد النقاش حول الحريات الفردية والمساواة داخل المجتمع، معتبرة أن الاستمرار في التعامل مع النساء بعقلية الماضي يُعد تهديدًا لمسار الإصلاح والعدالة الاجتماعية.
كما شددت فعاليات نسائية على ضرورة تعزيز حضور المرأة في مواقع القرار، وتثمين دورها المتزايد في مختلف الميادين، بما في ذلك الاقتصاد والسياسة والتعليم.
وأكدت أن الوقت قد حان لطي صفحة الخطابات التقليدية التي تحصر دور المرأة في الزواج فقط، في وقت تبرز فيه أرقام ومعطيات رسمية تؤكد تقدم النساء المغربيات في مجال التحصيل العلمي، وتزايد انخراطهن في سوق العمل، ما يدل على تحوّل مجتمعي عميق ينبغي أن يُواكبه وعي سياسي جديد.
في المقابل، لم يصدر حتى الآن أي توضيح أو اعتذار رسمي من عبد الإله بنكيران، رغم تنامي المطالبات بذلك، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود المسؤولية الأخلاقية في الخطاب السياسي، وضرورة احترام كرامة المواطنات والمواطنين على السواء.
ويرى مراقبون أن هذه الواقعة تعكس فجوة قائمة بين بعض النخب السياسية ورؤية المجتمع المغربي لموقع المرأة، وهي فجوة مرشحة للتوسع ما لم تُواكب التحولات المجتمعية بخطاب أكثر توازناً وعقلانية.
ووسط هذا السجال، يُجمع الكثير من المتتبعين على أن النقاش المثار اليوم يجب ألا يُختزل في حادثة معزولة، بل ينبغي أن يُفتح كمدخل لإعادة تقييم العلاقة بين الخطاب السياسي والحقوق الفردية، ولتعزيز ثقافة المساواة والكرامة كشرطين أساسيين في بناء مجتمع ديمقراطي حداثي.
في ظل هذا المنظور، تبدو الحاجة ملحة لتطوير خطاب سياسي جديد يرتقي إلى مستوى التحولات التي تعرفها المملكة، ويكرس احترام الحريات ويؤمن بدور النساء كشريكات فاعلات في مستقبل الوطن.