برلماني يقصف بنكيران: فجرت العزوف عن الزواج ودمرت الاستقرار الأسري
في خضم جدل واسع أثارته تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، بشأن زواج الفتيات، تصاعدت موجة الانتقادات الموجهة إليه من مختلف الأطياف السياسية والحقوقية، لتبلغ قبة البرلمان، حيث لم يتردد مستشار برلماني في تحميله مسؤولية اجتماعية مباشرة عن تفشي ظواهر مقلقة، من ضمنها العزوف عن الزواج والارتفاع غير المسبوق في حالات الطلاق.
وكان بنكيران قد أثار جدلًا واسعًا خلال مهرجان خطابي نظم بمدينة أكادير، حين دعا الفتيات إلى التبكير بالزواج عوض تأجيله لما بعد الدراسة أو العمل، معتبرًا أن هذا التأجيل "لا يخدم مصلحة المرأة"، ومستخدمًا وصف "بلارج" في إشارة إلى النساء اللواتي تأخرن في الزواج، ما اعتُبر من طرف نشطاء حقوقيين ومجتمعيين إساءة مباشرة للنساء ومسًا بكرامتهن.
في أول رد برلماني رسمي، استغل إسماعيل العلوي، عضو الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين، تعقيبه على جواب رئيس الحكومة عزيز أخنوش خلال جلسة السياسة العامة، ليهاجم تصريحات بنكيران بشدة، واصفًا إياها بـ"العبثية والمنفصلة عن الواقع الاجتماعي للمغاربة"، مشيرًا إلى أن "النساء الشريفات ماشي بلارج"، في تعبير حمل شحنة رمزية كبيرة دفاعًا عن كرامة المرأة المغربية.
وأكد العلوي أن "الواقع الاجتماعي المتأزم الذي يعيشه الشباب اليوم، والذي يحول دون قدرتهم على بناء أسر مستقرة، ليس نتيجة خيارات فردية، بل ثمرة مباشرة لسياسات حكومية سابقة"، في إشارة واضحة إلى حكومة بنكيران التي ترأسها بين عامي 2011 و2017.
وأوضح أن تلك السياسات "ساهمت في تفاقم الأوضاع المعيشية، ما أدى إلى عزوف واسع عن الزواج وارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق، حسب الأرقام الرسمية".
وخاطب المستشار البرلماني بنكيران قائلًا: "أقول لك سي بنكيران بهدوء ومحبة: اذهب للحج، وامنح نفسك الراحة، واترك الناس تعمل"، في موقف لقي تفاعلًا واسعًا داخل الجلسة البرلمانية، ولاقى صداه على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى كثيرون فيه تعبيرًا عن سخط سياسي متنامٍ إزاء الخطاب المحافظ الذي بات يتبناه بنكيران في مناسبات متعددة.
العلوي لم يكتفِ بانتقاد بنكيران، بل وجّه سهام نقده أيضًا إلى أداء الحكومة الحالية، معتبرًا أن تبرير ضعف النتائج الاقتصادية بالتوترات الجيوسياسية والأزمات الخارجية لا يعفيها من مسؤولياتها الوطنية.
وأكد أن دولًا أخرى واجهت نفس التحديات ونجحت في خلق توازنات داخلية بفضل استراتيجيات جريئة، بينما لا يزال المغرب يعاني من هشاشة اقتصادية عميقة ومحدودية في خلق مناصب الشغل، لا سيما لفئة الشباب.
واعتبر المتحدث أن السياسات الحكومية، رغم مشاريعها المعلنة وطموحاتها التنموية، لم تترجم إلى أثر اجتماعي حقيقي على الأرض، خصوصًا في ما يتعلق بتحفيز الاستثمار والتوزيع العادل للثروة.
كما شدد على أن مناطق بأكملها، وعلى رأسها الجهة الشرقية، ما تزال تعاني التهميش والإقصاء، رغم مساهمتها التاريخية في بناء الاقتصاد الوطني وتوفير اليد العاملة.
وربط العلوي هذه الاختلالات بتنامي مشاعر الإحباط وعدم الاستقرار لدى فئات واسعة من المجتمع، مستشهدًا بتقارير رسمية أظهرت تراجعًا في الكثافة السكانية ببعض المدن، رغم ارتفاع معدلات الولادة، ما يشير – حسب رأيه – إلى "هجرة داخلية صامتة واهتزاز الثقة في المستقبل".
بنكيران، من جهته، لم يتأخر في الرد، إذ بث مقطعًا مصورًا على صفحاته الرسمية، حاول فيه التخفيف من وطأة تصريحاته السابقة، مشيرًا إلى أن حديثه كان موجهًا أساسًا إلى قواعد حزبه، وليس عموم المجتمع، نافياً أن يكون هدفه التقليل من شأن المرأة.
وأضاف أن كلامه كان نابعًا من قناعة شخصية بضرورة التوفيق بين الزواج والمسار الدراسي أو المهني، لا التضحية بأحدهما لصالح الآخر.
وفي معرض توضيحه لعبارة "بلارج"، قال بنكيران إنه لم يقصد الإساءة، بل استخدم الكلمة في سياق توصيف حالة من الوحدة والعزلة التي قد تعاني منها بعض النساء، وهو ما اعتُبر من طرف متابعين محاولة لتدارك زلة لفظية لم تكن موفقة.
إلا أن المقطع المصور لتصريحه الأول يُظهره يقول حرفيًا: "غتبقاو بوحدكم بحال بلارج"، وهو ما فُهم على نطاق واسع باعتباره تشبيهًا مباشرًا، يحمل طابعًا قدحيًا.
محاولة بنكيران تبرير تصريحاته لم تلقَ قبولًا واسعًا، بل أججت ردود الأفعال، خصوصًا بعد أن وصف منتقديه بـ"الكراكيز" و"العصابة"، متهمًا إياهم بالسعي إلى إسقاطه سياسيًا بدافع انتخابي محض.
وهو ما ردت عليه جمعيات نسائية وحقوقية ببيانات شديدة اللهجة، رأت في تصريحاته تعبيرًا عن "ذهنية محافظة تحاول فرض الوصاية على النساء باسم الدين والأخلاق".
في هذا السياق، اعتبرت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة أن تصريحات بنكيران تمثل "ارتدادًا خطيرًا عن مكتسبات دستورية وحقوقية"، وتهدد بإعادة النقاش إلى المربع الأول، بعد عقود من النضال من أجل المساواة وتمكين النساء اجتماعيًا واقتصاديًا.
ودعت الجمعية الجهات الرسمية إلى اتخاذ موقف واضح وصارم من هذا النوع من الخطابات التي تعيد إنتاج الصور النمطية، وتنسف جهود التربية على المساواة.
الموقف ذاته تبنته ياسمينة بادو، الوزيرة السابقة المكلفة بالأسرة والطفولة، التي وصفت تصريحات بنكيران بأنها "تحمل نزعة مهينة وتكشف عن ذهنية متجاوزة لا تليق بشخصية تبوأت منصب رئاسة الحكومة".
وأكدت أن المرأة المغربية أثبتت كفاءتها في مجالات عدة، ولا يمكن اختزالها في إطار الزواج أو الأسرة فقط، معتبرة أن هذا التوجه "يكرس ثقافة ذكورية لم تعد تقبلها الأجيال الصاعدة".
وتحولت منصات التواصل الاجتماعي تحولت بدورها إلى فضاء للنقاش والتفاعل، حيث عبّر آلاف المغاربة عن غضبهم من تصريحات بنكيران، مطالبين بضرورة مساءلة السياسيين عن خطاباتهم، خاصة حين تتعلق بقضايا مجتمعية حساسة كحقوق المرأة والحريات الفردية.
واعتبر كثيرون أن الخطاب السياسي في المغرب يحتاج إلى إعادة ضبط بوصلته، ليكون أكثر انسجامًا مع روح الدستور والتعايش والتعددية، بدل السقوط في مزالق التمييز والإقصاء.