رهان على التوافق ومخاوف من الانفجار.. إصلاح التقاعد يدخل منعطف الحسم

الكاتب : انس شريد

17 July 2025 - 06:30
الخط :

في ظل تصاعد القلق بشأن مستقبل صناديق التقاعد في المغرب، عادت قضية إصلاح هذه الأنظمة إلى واجهة النقاش السياسي والاجتماعي، بعدما كشف الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، عن قرب انعقاد اجتماع رسمي يجمع رئيس الحكومة عزيز أخنوش بمختلف الشركاء الاجتماعيين، ضمن أولى جلسات اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد.

وأوضح بايتاس، في ندوة صحفية أعقبت انعقاد المجلس الحكومي يوم الخميس، أن هذا الاجتماع المرتقب يندرج في سياق التشاور حول الإطار العام الذي سيؤطر هذا الورش الإصلاحي، مشدداً على أن الحديث عن تفاصيل الإجراءات المقترحة لا يزال مبكراً في هذه المرحلة، التي تهدف أساساً إلى تحديد المرتكزات الكبرى للإصلاح المرتقب.

وتواجه منظومة التقاعد في المغرب وضعاً مالياً بالغ التعقيد، بعد تسجيل عجز مالي بلغ 9.8 مليار درهم خلال سنة 2023، وسط تحذيرات من بلوغ نقطة اللاعودة قبل سنة 2028، حيث قد تعجز بعض الصناديق عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين.

هذا الوضع دفع الحكومة إلى التسريع بتفعيل الآليات التشاورية التي ظلت معلقة منذ سنوات، وسط دعوات ملحة من النقابات والبرلمان والمجتمع المدني إلى إصلاح شامل يضمن ديمومة الصناديق ويصون المكتسبات الاجتماعية.

اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد، التي تم إحداثها أخيراً، ستنطلق رسمياً بعقد أول اجتماعاتها يوم 17 يوليوز 2025، بحضور ممثلين عن الحكومة، المركزيات النقابية، الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وخبراء في المجال المالي والاجتماعي.

وتطمح هذه اللجنة إلى بلورة خارطة طريق جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحديات الديمغرافية والمالية والاجتماعية التي تواجه نظام التقاعد، مع إرساء مبدأ التوازن بين استدامة التمويل والحفاظ على الحقوق المكتسبة.

وتُطرح في هذا السياق مجموعة من السيناريوهات التي قد تشكل محاور النقاش خلال الاجتماعات المقبلة، من بينها رفع سن الإحالة على التقاعد إلى 65 سنة، والزيادة في نسب الاقتطاع من الأجور، إلى جانب احتمال تقليص المعاشات المستقبلية، وهي مقترحات تثير رفضاً واسعاً في صفوف النقابات، التي تشدد على ضرورة اعتماد منهجية تشاركية قائمة على الحوار والتوافق، بدل فرض قرارات أحادية قد تُثقل كاهل الشغيلة.

وترى المركزيات النقابية أن أي إصلاح لا بد أن ينطلق من تقييم شامل لاختلالات المنظومة الحالية، مع ضرورة مراجعة الحكامة داخل الصناديق، والحد من تعددية الأنظمة واختلال التوازنات بينها، فضلاً عن إشراك فعلي لممثلي الشغيلة في بلورة الحلول المقترحة.

وتطالب بإنشاء لجنة تقنية مستقلة تضم ممثلين عن الدولة والنقابات وأرباب العمل وخبراء مستقلين، تتولى إعداد مقترحات مبنية على دراسات علمية ومعطيات دقيقة.

في مقابل ذلك، أكدت الحكومة مرارا، على لسان وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، أن أي قرار سيتم اتخاذه سيكون ثمرة مشاورات موسعة، وأن الإصلاح سيراعي التوجيهات الملكية التي تنص على إرساء نظام عادل ومنصف يضمن حماية اجتماعية حقيقية ويعزز التضامن بين الأجيال.

وأوضحت الوزيرة أن الاجتماعات المقبلة للجنة الوطنية ستُخصص لمواصلة التحليل التقني والمالي بمساهمة مختلف الصناديق وفاعلي التأمين، من أجل صياغة بدائل عملية تراعي الإكراهات الواقعية وتطلعات المواطنين.

الرهان اليوم، بحسب عدد من المتابعين، لا يكمن فقط في اتخاذ قرارات تقنية لضمان التوازن المالي، بل في إرساء تعاقد اجتماعي جديد يُعيد الثقة في النظام التقاعدي كمكون أساسي ضمن منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة، ويحقق نوعاً من العدالة بين الأجيال، دون التضحية بمكاسب الفئات العاملة أو تحميلها وحدها كلفة الإصلاح.

ويؤكد المراقبون أن أي تأخير إضافي في تنزيل هذا الورش سيعمق الأزمة القائمة ويُقوض فرص إصلاح مستدام، خاصة مع اقتراب عدد من الصناديق من مرحلة العجز الكلي.

آخر الأخبار