حقوق معلقة وآلاف بدون سند قانوني.. عمال التوصيل بين هشاشة الواقع وصمت التشريع
شهدت مدينة الدار البيضاء، اليوم الإثنين، وقفة احتجاجية نظمها عشرات عمال التوصيل عبر الدراجات النارية، تنديداً بما وصفوه بشروط العمل المجحفة التي تُفرض عليهم من قبل إحدى الشركات العاملة في مجال التوصيل عبر المنصات الرقمية، في ظل غياب أي إطار قانوني يحمي حقوقهم الاجتماعية والمهنية.
ورفع المحتجون شعارات ولافتات تعكس حجم المعاناة التي يعيشونها يومياً، مطالبين بتحسين ظروف عملهم وتمكينهم من تغطية اجتماعية فعالة. ونددوا بما اعتبروه “استغلالاً ممنهجاً” من قبل الشركة التي تدفعهم، حسب تعبيرهم، إلى الاشتغال في ظروف غير إنسانية دون تأمين صحي أو تقاعد أو حماية من حوادث الشغل.
المشاركون في الوقفة طالبوا بضرورة تدخل عاجل من الجهات المعنية لوضع حد لما أسموه بـ"عبودية المنصات الرقمية"، مؤكدين أن واقعهم المهني يفتقر لأبسط الضمانات القانونية، في وقت يتحملون فيه التكاليف التشغيلية بشكل كامل، من صيانة الوقود إلى إصلاح الدراجات، دون أي دعم من الشركة.
كما عبر المحتجون عن رفضهم القاطع لنظام "المقاول الذاتي"، الذي يرونه مجرد وسيلة قانونية تستخدمها الشركة للتهرب من مسؤولياتها تجاههم، خاصة فيما يتعلق بالتغطية الاجتماعية والاستقرار المهني. وأوضحوا أن هذا النظام لا يمنحهم الحد الأدنى من الأمان الوظيفي، بل يزيد من هشاشتهم.
الاحتجاج يأتي في وقت يشهد فيه قطاع خدمات التوصيل بالمغرب توسعاً ملحوظاً، بفعل تنامي استخدام التطبيقات الذكية من قبل المستهلكين، ما خلق فرص شغل كبيرة لفئات واسعة من الشباب. غير أن غياب إطار قانوني منظم لهذا النشاط أدى إلى ظهور اختلالات بنيوية، جعلت من العاملين فيه عرضة للاستغلال وسوء المعاملة، بحسب ما تؤكده أصوات نقابية وحقوقية.
وسبق أن تم التطرق لهذا الملف في قبة البرلمان، حيث أثار عدد من النواب قبل شهرين وضعية هؤلاء العمال داخل لجنة القطاعات الاجتماعية، مشددين على ضرورة معالجة أوضاعهم القانونية والمهنية بما يكفل كرامتهم ويضمن حقوقهم.
من جانبه، سبق أن أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، خلال جلسة برلمانية، أن هذا الملف يتطلب توازناً بين مصالح المنصات الرقمية وحقوق العاملين لديها، مشيراً إلى أن التحدي الأساسي يكمن في تحديد الوضع القانوني لهؤلاء العمال، وهل يُعتبرون أجراء أم مستقلين.
وشدد الوزير على أن الهدف من الإصلاحات المرتقبة ليس المساس بالنموذج الاقتصادي الحديث، بل ضمان حماية العاملين من الهشاشة، معتبراً أن تطوير مدونة الشغل أصبح ضرورياً لمواكبة التحولات التي فرضها الاقتصاد الرقمي.
كما دعا السكوري إلى تعزيز الشفافية في الخوارزميات التي تُحدد العائدات المالية للعمال، والبحث عن آليات عملية لضمان استفادتهم من التغطية الاجتماعية، من بينها إمكانية إحداث صندوق مشترك تساهم فيه الشركات المشغّلة.
ورغم النقاشات الحكومية والتشريعية حول هذا الملف لم يتم لحد الأن إعادة النظر في العلاقة القانونية التي تربط المنصات الرقمية بالعاملين لحسابها، بما يحفظ كرامتهم ويضمن لهم الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية.
وتطرح هذه القضية تحدياً حقيقياً أمام الحكومة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل، حيث باتت العلاقة التقليدية بين المشغّل والأجير مهددة بالاندثار لصالح نماذج رقمية مرنة، لكنها غير محمية قانونياً، ما يفرض على السلطات المعنية تسريع وتيرة الإصلاحات لمواكبة هذه المتغيرات.