اتهامات متبادلة وتشكيك في الوثائق.. جلسة "إسكوبار الصحراء" تفضح المزيد من الخبايا
تتواصل أمام غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، أطوار واحدة من أضخم القضايا المعروضة على القضاء المغربي في السنوات الأخيرة، والمعروفة إعلاميًا بملف "إسكوبار الصحراء"، في إشارة إلى المشتبه فيه الرئيسي المتهم بتزعم شبكة دولية لتهريب المخدرات وتبييض الأموال.
وتحظى هذه القضية باهتمام واسع من قبل الرأي العام، بالنظر إلى تشعباتها وتورط أسماء ذات ثقل سياسي ورياضي ومالي ضمن قائمة المتابعين.
وتُتابع النيابة العامة في هذا الملف ما يقارب 28 متهمًا، من ضمنهم برلمانيون سابقون ورؤساء جهات وشخصيات بارزة في عالم الأعمال، على خلفية الاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية دولية يُعتقد أنها راكمت ثروات طائلة من خلال أنشطة محظورة، شملت التهريب، والاستثمار في العقارات، وتوظيف أموال مشبوهة في مشاريع تجارية ذات طابع قانوني ظاهريًا.
وقد شهدت الجلسات الأخيرة تطورات مثيرة، دفعت المحكمة إلى الاستماع لشهادة برلماني سابق استُدعي بصفة شاهد رئيسي في هذا الملف، وذلك في إطار المساعي الرامية إلى تفكيك خيوط القضية واستجلاء ظروفها الواقعية والقانونية.
وتميّزت جلسة اليوم الخميس أمام غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتوسع في استنطاق الشاهد بشأن علاقته بالمتهم سعيد الناصري، حيث ركّز دفاع هذا الأخير على فحوى وثائق سبق أن قُدمت إلى المحكمة، خاصة ما يتعلق بعمليات تهيئة عقار سكني يُشتبه في كونه إحدى واجهات تبييض الأموال.
ورفضت المحكمة في البداية طلب عرض الوثيقة موضوع النقاش على المتهم، قبل أن تعود لاحقًا للموافقة على تمكينه من الاطلاع عليها، إلى جانب وثائق أخرى.
خلال الجلسة، أكد الشاهد المسمى الشوقي أنه أشرف على إنجاز أشغال داخل الفيلا المذكورة في سنة 2016، دون أن يتذكر تواريخها بدقة، مشيرًا إلى أن ما يثبت ذلك متوفر ضمن وثائق سبق له الإدلاء بها.
وقد ركّز الدفاع على فرضية تناقض الشهادة مع أقوال شهود آخرين، حيث تم تقديم وثيقة صادرة عن إحدى المصالح الإدارية تؤكد أن المتهم لم ينتقل للسكن بالفيلا إلا سنة 2020، بينما أصر الشاهد على أنه سلّمه المفاتيح منذ سنة 2018.
وفي خضم الاستماع، تطرق الشاهد إلى تفاصيل تقنية مرتبطة بطبيعة الأشغال المنجزة، موضحًا أن تغليف الأبواب بالخشب وتجديد النوافذ جرى وفق المعايير المعتمدة، لكنه لم يكن مسؤولًا عن كافة التعديلات التي لحقت العقار، لا سيما ما تم إنجازه في أواخر سنة 2021 أو مطلع 2022.
وعبّر عن استغرابه من تشكيك الدفاع في صدقية أقواله، معتبرًا أن كل تدخلاته كانت في إطار علاقة صداقة سابقة ربطته بالمتهم، ولا تندرج ضمن أي نشاط تجاري أو تعاقد قانوني ملزم.
وواجه الدفاع الشاهد بعدد من الأسئلة التي حاول من خلالها إبراز احتمال وجود تضارب مصالح أو خصومة شخصية قد تُفقد الشهادة حيادها، متوقفًا عند وثائق تفيد وجود خلاف سابق بين الطرفين حول شركة مشتركة.
غير أن الشاهد نفى ذلك جملة وتفصيلًا، مؤكدًا أنه لم تكن هناك أي منازعات قانونية، وأن ما تم تقديمه من أشغال في الفيلا جاء في سياق ودي لا تشوبه أية أغراض مادية مباشرة.
كما استعرضت المحكمة عددًا من الوثائق المتعلقة بفواتير وكشوفات بنكية، وهو ما قوبل بتحفظ من طرف المتهم، الذي اعتبر أنها لا تمت بصلة بجوهر الملف، واتهم خصومه بتقديم وثائق مزورة، مطالبًا بفتح تحقيق مستقل بشأنها.
ومشددًا على أنه لم يكن يدير الحساب البنكي المرتبط بفريق رياضي ترأسه سابقًا، وأن العمليات المالية التي تم ربطها به تفتقد للسند القانوني.
وطالب دفاع المتهم باستبعاد إحدى الوثائق الإلكترونية التي تم الإدلاء بها من طرف الشاهد، معتبرًا أنها غير قابلة للاعتماد إلى حين التأكد من مصدرها عبر خبرة تقنية على الهاتف المحمول.
وفي سياق متصل، حاول الدفاع استقصاء ما إذا كان الشاهد قد صدر في حقه أي حكم قضائي سابق، مستندًا إلى مقتضيات المسطرة الجنائية التي تشترط خلو السجل العدلي للشهود من السوابق، وهو الطلب الذي رفضته المحكمة لكونه لم يُقدّم في الوقت المناسب وفقًا للضوابط الإجرائية.
واختتمت الجلسة وسط تباين حاد في المواقف بين الدفاع والشاهد، وبين اتهامات متبادلة بالتزوير والنفي، فيما يترقب الرأي العام الجلسات المقبلة التي يُنتظر أن تكشف عن مزيد من المعطيات المرتبطة بهذه القضية، التي تجاوزت أبعادها ما هو جنائي لتطال البُعدين السياسي والاقتصادي في آن واحد.