غليان سياسي في العاصمة الاقتصادية وسط شبهات تبديد المال العام

الكاتب : انس شريد

25 September 2025 - 09:30
الخط :

تشهد العاصمة الاقتصادية للمملكة في الآونة الأخيرة تصاعدا لافتا في حدة التوتر السياسي داخل عدد من مقاطعاتها، حيث تحولت دورات شتنبر العادية إلى ساحات مفتوحة لتبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة، وسط اتهامات مباشرة بتبديد المال العام وتجاوز المساطر القانونية، ما دفع بعض المستشارين إلى المطالبة بتدخل النيابة العامة للتحقيق في شبهات فساد وممارسات وصفت بأنها تمس بنزاهة التدبير المحلي.

ويعتبر مراقبون أن هذه الأجواء المحتقنة ليست سوى مقدمة لما أطلقوا عليه “التسخينات الانتخابية” التي تسبق الاستحقاقات المقبلة، حيث يبدو أن الحسابات السياسية بدأت تطغى على تدبير الشأن المحلي، في ظل صراع حول النفوذ والقرارات المالية.

في مقاطعة سباتة، فجرت نافورة جديدة في حي السالمية 2 موجة من الجدل، بعدما اعتبرت أصوات معارضة أن كلفتها التي فاقت 200 مليون سنتيم تشكل هدرا صارخا للمال العام، خاصة أن المشروع الذي كان يفترض أن يضفي لمسة جمالية على المنطقة كشف منذ البداية عن ضعف في بنيته وركود للمياه، فيما أظهرت الصور المتداولة فارقا واضحا بين التصميم الأصلي والتنفيذ الفعلي.

أما في مقاطعة عين الشق، فقد تحولت قاعة المركب الثقافي عبد الله كنون إلى مسرح لمواجهة حادة بعد اتهام البرلماني والمستشار الجماعي عبد الحق شفيق لشركة “كازا إيفنت” بالضلوع في ما وصفه بـ“تبييض المال العام”.

واتهم شفيق الشركة بالتصرف في غلاف مالي يناهز ثلاثة مليارات سنتيم مخصص للأنشطة الثقافية، معتبرا أن توزيع عشرين مليون سنتيم على كل مقاطعة يعد خرقا للقانون، لأن تدبير هذه الاعتمادات يظل اختصاصا حصريا للجماعات الترابية.

وأضاف خلال أشغال الدورة الأخيرة أن الشركة تجاوزت دورها المفترض المتمثل في تنفيذ الاتفاقيات لتخوض في ما اعتبره “خدمة أجندات انتخابية” تحت غطاء التنشيط الثقافي.

الجدل بعين الشق لم يقف عند هذا الحد، بل امتد إلى ملف ملاعب القرب، التي أُنشئت أصلا لخدمة الشباب وتكريس مبدأ “الرياضة للجميع”، لكنها تحولت وفق معطيات المعارضة إلى مشاريع تجارية مغلقة تدر أرباحا على جهات بعينها.

وانتقد مستشارون ما أسموه “خصخصة مقنّعة” لهذه الفضاءات، حيث تفرض إتاوات مالية على المستفيدين في غياب أي إطار قانوني واضح، وهو ما يتناقض مع الشعارات الرسمية الداعية إلى مجانية الاستفادة ودعم البنيات التحتية الرياضية.

وفي مقاطعة عين السبع، دخل المجلس بدوره في نفق سياسي مسدود بعد خلافات حادة بين رئيسه يوسف الحسينية وعدد من الأعضاء المعارضين، الذين اتهموه بالانفراد بالقرارات وإطلاق مبادرات دون الرجوع إلى المجلس.

واعتبرت المعارضة خلال أشغال الدورة الأخير  أن هذه الممارسات تندرج ضمن خانة العبث بالمال العام وتجاوز الاختصاصات، ما يهدد بشلل إداري ومالي ستكون له انعكاسات مباشرة على مصالح السكان وجودة الخدمات المقدمة، خاصة بعد بروز نية الرئيس بتمرير الميزانية بدون مشاورات.

كما فجّر مجلس مقاطعة سيدي بليوط جدلا واسعا حين قررت رئيسته عرض مشروع الميزانية للتصويت المباشر دون المرور عبر المناقشة، وهو ما اعتبره عدد من المستشارين “سابقة خطيرة” تمثل خرقا للمساطر الديمقراطية وتقويضا لحق الأعضاء في التفاعل مع أهم وثيقة مالية ترسم أولويات المقاطعة.

وذهب بعضهم إلى القول إن ما وقع يشكل ضربة لمبدأ التدبير التشاركي والشفافية، فيما رأى آخرون أنها محاولة لتمرير قرارات انفرادية بعيدا عن النقاش العمومي.

وأكدت مصادر من داخل المجلس للجريدة 24 أن الخطوة خلفت انقساما حادا وأجواء مشحونة، وسط مخاوف من تراجع ثقة الساكنة في المؤسسات المنتخبة.

هذه التطورات المتسارعة تكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الفاعلين السياسيين المحليين، وتطرح تساؤلات جدية حول سلامة التدبير المالي والإداري في أكبر مدينة مغربية.

كما تعكس، وفق المهتمين للشأن السياسي، حالة من الصراع السياسي الذي بات يطغى على مصالح المواطنين، ويهدد بتحويل العمل الجماعي إلى مجرد حلبة لتصفية الحسابات.

وبينما تتعالى الأصوات المطالبة بالتحقيق القضائي والتدقيق المالي في عدد من الملفات، يظل الرهان الأكبر معلقا على مدى قدرة هذه المؤسسات على استعادة ثقة الساكنة وضمان شفافية في تسيير الشأن المحلي.

آخر الأخبار