بركة: الشباب يعبرون عن إحباط متزايد.. والأحزاب مدعوة إلى احتضان طاقاتهم
تشهد مدن مغربية عدة منذ أيام حراكاً اجتماعياً متصاعداً تقوده فئة الشباب، خصوصاً المنتمين إلى ما يُعرف بجيل “زد”، في خطوة احتجاجية غير مسبوقة من حيث الشكل والمضمون، إذ خرج الآلاف إلى الشوارع رافعين شعارات تطالب بفرص عمل تحفظ الكرامة، وتحسين جودة التعليم والصحة، إلى جانب دعوات صريحة لمحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
هذه الموجة الشبابية الجديدة جاءت كترجمة عملية لحالة الإحباط المتزايد التي يعيشها جزء كبير من المجتمع المغربي، في ظل تدهور المؤشرات الاجتماعية واستمرار الفوارق الاقتصادية والمجالية.
وانطلقت شرارة هذا الحراك من الفضاءات الرقمية، حيث تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصات للتعبئة والتحريض على الخروج إلى الشارع، بعيداً عن القنوات السياسية والنقابية التقليدية.
هذا التحول يعكس بعمق الأزمة البنيوية التي تعرفها الحياة السياسية المغربية، حيث تراجعت الثقة في المؤسسات الوسيطة التي ظلت لعقود تمثل صلة الوصل بين الدولة والمجتمع.
ورغم الطابع السلمي الذي ميز الموجات الأولى من الوقفات والمسيرات، فإن الأوضاع سرعان ما انزلقت في بعض المدن نحو العنف، بعد تسجيل أعمال تخريب استهدفت ممتلكات عامة وخاصة، من بينها مؤسسات بنكية وتجارية، وسيارات تابعة للأمن والدرك، خصوصاً في مدن سلا وأيت عميرة والقليعة ووجدة ومراكش.
هذه الحوادث أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط الشعبية والسياسية، ودَفعت السلطات الأمنية إلى إعلان حالة استنفار شاملة لمنع تدهور الوضع، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى ضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو الفوضى.
في خضم هذا المشهد المتوتر، خرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، بتصريحات لافتة خلال لقاء تواصلي عقده يوم أمس السبت بالمركز العام للحزب في الرباط، أقر فيها بوجود “أزمة ثقة عميقة” لدى الشباب المغربي في المؤسسات المنتخبة والحكومة والأحزاب.
وحذر بركة من خطورة الأصوات التي تحاول استغلال هذا الإحباط عبر المطالبة بإلغاء المؤسسات التمثيلية أو تنصيب حكومة تكنوقراطية، معتبراً أن هذه الدعوات تمثل تهديداً صريحاً لمسار البناء الديمقراطي في البلاد.
واعترف الأمين العام لحزب الاستقلال بأن نتائج الأداء الحكومي “لم ترقَ إلى مستوى تطلعات الشباب”، خاصة في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، واصفاً انتقادات هذه الفئة بأنها “مشروعة ومفهومة”.
مضيفاً أن حزبه كان قد عبّر منذ البداية عن شكوكه في إمكانية تحقيق وعد الحكومة بخلق مليون منصب شغل قبل نهاية ولايتها.
ومع ذلك، دافع بركة عن بعض منجزات الحكومة، مشيراً إلى أن المقارنة بين المشاريع الكبرى التي تُنفذ استعداداً لاحتضان المغرب لكأس العالم 2030، وبين ضعف الخدمات الاجتماعية، يجب أن تتم بنظرة “موضوعية ومتوازنة”.
واستعرض في هذا السياق مشاريع ضخمة مثل مستشفى ابن سينا الجديد بالرباط، الذي كلف 11 مليار درهم، ومشروع الربط المائي بين الأحواض، مؤكداً أن الحكومة تخصص سنوياً 110 مليارات درهم لقطاعي الصحة والتعليم، و100 مليار درهم لتحسين الدخل، وهي أرقام كبيرة تستوجب، حسب قوله، ترسيخ ثقافة النجاعة والمحاسبة لضمان مردودية حقيقية للإنفاق العمومي.
وفي معرض حديثه عن دور حزبه، كشف بركة عن حزمة من المبادرات العملية التي يقترحها حزب الاستقلال لمواجهة التحديات الراهنة، أبرزها إحداث “أكاديمية للشباب” موجهة خصيصاً لجيل “زد”، تعتمد على المنصات الرقمية كوسيلة للتكوين والتأطير السياسي، إلى جانب إعداد مقترح قانون جديد للتطوع يمنح تعويضات رمزية للشباب المشاركين في الأنشطة الاجتماعية والتنموية.
مؤكداً أن مسؤولية الأحزاب اليوم لا تقتصر على الدفاع عن برامج سياسية، بل تشمل تأطير الطاقات الشابة وتحفيزها على الانخراط في العمل العام باعتباره السبيل الأنجع لممارسة المواطنة الحقيقية وتفادي الانجراف نحو “العبث والفوضى”.