الاتحاد الأوروبي يعلن انتهاء أزمة سبتة.. وشائعات عن موجة هجرة جديدة
أعلن الاتحاد الأوروبي انتهاء الأزمة المرتبطة بموجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، في وقت تتواصل فيه التحركات الإسبانية لتثبيت الوضع الميداني وتعزيز الإجراءات الأمنية، بالتزامن مع تصاعد التحذيرات من تداول دعوات جديدة على منصات التواصل الاجتماعي تحث على محاولة عبور جماعية جديدة خلال الأيام المقبلة، ما أعاد ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش السياسي والأمني بين مدريد وبروكسيل.
وجاء الموقف الأوروبي عقب اجتماع استثنائي عقده وزراء داخلية الدول السبع والعشرين عبر تقنية الاتصال المرئي، خصص لتقييم تداعيات موجة العبور الأخيرة التي شهدتها سبتة، والتي دفعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة آليات التنسيق الخاصة بحماية الحدود الخارجية والتعامل مع الأزمات المرتبطة بالهجرة.
وأكد مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية، النمساوي ماغنوس برونر، أن الاتحاد تمكن من تجاوز هذه المرحلة، معتبرا أن ما حدث شكل اختبارا لقدرة أوروبا على حماية حدودها وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء.
وأوضح برونر أن دول الاتحاد الأوروبي توصلت إلى توافق بشأن ضرورة تشديد مراقبة الحدود الخارجية، وتعزيز الشراكات مع الدول الشريكة، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يشمل رصد المؤشرات الرقمية التي قد تسبق محاولات الهجرة الجماعية، ومراقبة الأنشطة المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
ورغم الانتقادات التي واجهتها الحكومة الإسبانية خلال الأيام الأولى للأزمة من جانب عدد من الدول الأوروبية، انتهى الاجتماع بإعلان تضامن جماعي مع مدريد، في وقت طغى على المشاورات قرار الحكومة الإيطالية إعادة العمل مؤقتا بإجراءات المراقبة على حدودها الجوية والبحرية الداخلية مع إسبانيا، بدعوى حماية الأمن القومي، وهو القرار الذي عكس حجم القلق الأوروبي من تداعيات موجات الهجرة غير النظامية على فضاء شنغن.
وفي موازاة ذلك، واصلت السلطات الإسبانية تنفيذ إجراءات إعادة المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة خلال الأيام الماضية، بعدما شهدت مراكز الإيواء ضغطا كبيرا نتيجة ارتفاع عدد الوافدين في فترة زمنية وجيزة. كما شرعت المصالح المختصة في تقييم مختلف الظروف التي رافقت واحدة من أكبر محاولات العبور الجماعي خلال السنوات الأخيرة، مع التركيز على الأدوار التي لعبتها شبكات تهريب البشر والمنصات الرقمية في استقطاب المهاجرين.
وأكد المسؤول الأوروبي أن السلطات الإسبانية فتحت تحقيقا بمشاركة الوكالة الأوروبية للتعاون في مجال إنفاذ القانون "يوروبول"، للكشف عن جميع الملابسات المرتبطة بالأزمة، مشددا في الوقت ذاته على أن المغرب يظل شريكا موثوقا في تدبير ملفات الهجرة والتعاون الأمني، ومبرزا أن عمليات العودة التي شملت عشرات الآلاف من المهاجرين جاءت نتيجة التنسيق الوثيق بين الرباط ومدريد والمفوضية الأوروبية خلال الأيام الأخيرة.
وفي السياق ذاته، شددت مؤسسات الاتحاد الأوروبي على أن جزءا مهما من الأزمة ارتبط بحملات تضليل قادتها شبكات تهريب البشر، بعدما عمدت إلى نشر معلومات مغلوطة عبر الفضاء الرقمي لإقناع آلاف الأشخاص بإمكانية الوصول إلى الأراضي الإسبانية والاستقرار بها، وهو ما دفع بروكسيل إلى إدراج مكافحة التضليل الرقمي ضمن أولوياتها في مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية.
وفي خضم هذه التطورات، حذرت حكومة سبتة، الثلاثاء، من احتمال تكرار سيناريو العبور الجماعي، بعدما رصدت السلطات المحلية دعوات متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي تدعو إلى تنظيم محاولة جديدة يوم 15 غشت الجاري. وقال المتحدث باسم حكومة المدينة، أليخاندرو راميريز، إن السلطات تنظر بجدية إلى هذه المنشورات، مؤكدا أنها أحالت جميع المعطيات المتوفرة إلى الجهات الأمنية المختصة لاتخاذ التدابير اللازمة، معربا عن أمله في ألا تتحول تلك الدعوات إلى تحركات ميدانية.
وتداولت وسائل إعلام إسبانية منشورات على منصات مثل "تيك توك" و"واتساب" تدعو إلى الالتحاق بمجموعات مخصصة لتنسيق محاولة عبور جديدة، وحددت مدينة الفنيدق، المحاذية لسبتة، كنقطة تجمع قبل الموعد المعلن، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية إلى رفع مستوى اليقظة تحسبا لأي تطورات محتملة.
وفي موازاة الجدل السياسي، كشفت تقارير إعلامية إسبانية عن معطيات جديدة تربط موجة العبور الأخيرة بحملة رقمية واسعة سبقتها بأسابيع. وأوردت صحيفة "أتالايار" أن تقريرا استخباراتيا أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي تشيما خيل رصد نشاطا مكثفا لحسابات ومجموعات رقمية ساهمت في تعبئة آلاف الأشخاص، بعدما تجاوزت المحتويات المتداولة أكثر من 11 مليون مشاهدة عبر منصات مختلفة.
كما أفادت صحيفة "لاراثون" بأن الحملة الرقمية انطلقت منذ بداية شهر يوليوز، واعتمدت على شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري لتبادل معلومات تتعلق بمسارات الوصول ووسائل النقل ونقاط الالتقاء وآليات الاقتراب من محيط معبر تراخال، مضيفة أن جزءا من هذا النشاط انطلق من حسابات تنشط في الجزائر وتونس وفرنسا، مع متابعة من جهات متخصصة في رصد المحتوى الرقمي بالولايات المتحدة الأمريكية.
وبحسب التقرير، الذي استند إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي (SOCMINT)، فقد تصاعد النشاط الرقمي بشكل ملحوظ عقب قرار للمحكمة العليا الإسبانية صدر خلال شهر يوليوز، اعتبر أن الأشخاص الذين يدخلون سبتة عبر البحر لا يمكن إعادتهم بشكل فوري، وهو ما استغلته حسابات رقمية لإعادة نشر رسائل تشجع على الهجرة وتوسيع انتشارها عبر منصات متعددة، دون أن يجزم التقرير بوجود جهة محددة تقف وراء إدارة تلك الحملة.
وتعكس هذه التطورات انتقال ملف الهجرة غير النظامية من البعد الميداني إلى مستوى جديد يرتبط بالأمن الرقمي ومكافحة التضليل الإلكتروني، في وقت يواصل فيه المغرب وإسبانيا تنسيقهما الأمني لتدبير تداعيات الأزمة وتعزيز مراقبة الحدود، بينما يضع الاتحاد الأوروبي مواجهة شبكات التهريب والحملات الرقمية المضللة ضمن أولويات المرحلة المقبلة للحيلولة دون تكرار سيناريوهات مماثلة.