من مواجهة الأخبار الزائفة إلى ردع شراء الأصوات.. المغرب يعلن حربا شاملة على الفساد الانتخابي

الكاتب : انس شريد

24 October 2025 - 08:30
الخط :

يدخل المغرب مرحلة حاسمة من مسار التحضير للاستحقاقات التشريعية المقررة سنة 2026، في سياق وطني يتسم بتزايد الوعي الجماعي بأهمية تجديد النخب السياسية، وتعزيز مشاركة الشباب والنساء في تدبير الشأن العام، بما ينسجم مع الدعوة المتكررة للملك محمد السادس إلى تخليق الحياة السياسية وضمان نزاهة العملية الانتخابية.

وتأتي هذه المرحلة وسط رهان وطني كبير على طي صفحة الممارسات السلبية التي ظلت ترافق بعض المحطات الانتخابية، وعلى رأسها الفساد الانتخابي بكل أشكاله، من شراء الذمم إلى استغلال النفوذ والتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين.

وفي هذا السياق، صادق المجلس الوزاري المنعقد مؤخرًا بالرباط برئاسة الملك محمد السادس على مجموعة من مشاريع القوانين التنظيمية المؤطرة للاستحقاقات المقبلة، في خطوة اعتبرها المراقبون تجسيدًا لإرادة سياسية عليا تهدف إلى إرساء قواعد انتخابات نزيهة وشفافة، قائمة على تكافؤ الفرص والمساءلة القانونية الصارمة لكل من تسول له نفسه العبث بالممارسة الديمقراطية.

هذه القوانين تأتي ضمن رؤية ملكية متجددة تسعى إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتحديث المنظومة القانونية بما يتلاءم مع تطورات العصر، لاسيما في ظل التحولات الرقمية التي جعلت من شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي أدوات ذات تأثير واسع في الرأي العام.

ومن أبرز مستجدات مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، التي تم عرضه يوم الجمعة، تشديد العقوبات المرتبطة بالمخالفات الانتخابية، سواء تلك المرتبطة بنشر الأخبار الزائفة أو استعمال العنف أو شراء الأصوات أو المساس بحرية التصويت.

فقد نص المشروع على عقوبة حبسية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وغرامة مالية من خمسين ألفًا إلى مئة ألف درهم لكل من تعمد، بأي وسيلة، بما في ذلك المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، نشر أو بث إشاعات أو أخبار كاذبة تتعلق بعملية التصويت أو نتائجها، لما لذلك من تأثير على نزاهة الاقتراع وثقة المواطنين في المؤسسات.

كما شدد المشروع العقوبات في مواجهة كل من استأجر أو سخر أشخاصًا لتهديد الناخبين أو المترشحين أو الإخلال بالنظام العام أثناء العملية الانتخابية، حيث نص على الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة مماثلة في حدود خمسين إلى مئة ألف درهم.

كما أقر نفس العقوبة بحق كل من دخل قاعة التصويت بهدف منع الناخبين من ممارسة حقهم الانتخابي أو التأثير في اختياراتهم، مؤكدًا على ضرورة حماية حرية التصويت باعتبارها جوهر الممارسة الديمقراطية.

وفي سياق محاربة التلاعبات والممارسات التي تخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين، نص المشروع على رفض أو إلغاء كل لائحة ترشيح في حال ضبط أحد المترشحين متلبسًا بارتكاب جناية أو جنحة انتخابية، تأكيدًا على عدم التسامح مع أي إخلال بالقانون أو المساس بمصداقية المنافسة السياسية.

كما عاقب المشروع بالحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر وبغرامة مالية تتراوح بين عشرين ألفًا وخمسين ألف درهم كل من قام يوم الاقتراع بنشر أو توزيع مواد دعائية أو إعلانات انتخابية، سواء بشكل مباشر أو عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أو باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، حمايةً ليوم التصويت من كل أشكال التأثير غير المشروع.

وفي إطار صون الحياد الإداري، فرض المشروع عقوبات حبسية تتراوح بين ستة أشهر وسنة وبغرامة من خمسين ألفًا إلى مئة ألف درهم على كل موظف عمومي أو مأمور من مأموري الإدارة أو الجماعات الترابية يثبت تورطه في توزيع برامج أو منشورات المرشحين أثناء مزاولة عمله، إدراكًا لأهمية تحييد الإدارة عن الصراع الانتخابي وتكريس مبدأ المساواة بين المتنافسين.

وواصل المشروع تعزيز الحماية القانونية للعملية الانتخابية من خلال معاقبة التصويت المزدوج أو حمل السلاح داخل مراكز الاقتراع بعقوبات مشددة تصل إلى خمس سنوات حبسًا وغرامات مالية كبيرة، كما نص على السجن من خمس إلى عشر سنوات لكل من أقدم على كسر صندوق الاقتراع أو انتهاك سرية التصويت أو الاستيلاء على الصندوق قبل انتهاء عملية الفرز، وهي جرائم اعتبرها المشرع اعتداءً خطيرًا على الديمقراطية وتهديدًا للأمن الانتخابي.

كما أولى المشروع أهمية خاصة لمحاربة شراء الأصوات والتأثير في إرادة الناخبين، حيث توعد بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من خمسين ألفًا إلى مئة ألف درهم لكل من حاول استمالة ناخب أو مجموعة ناخبين بهدايا أو تبرعات مالية أو ضغط عليهم بأي وسيلة مادية أو معنوية لحملهم على التصويت أو الامتناع عنه.

وتشمل العقوبة نفسها كل من مارس الترهيب أو العنف أو التهديد بإلحاق الضرر بالوظيفة أو الأسرة أو الممتلكات من أجل التأثير على نتيجة التصويت، في تأكيد واضح على أن إرادة الناخب يجب أن تظل حرة ومحمية من أي تدخل أو إكراه.

وتوسعت فلسفة المشروع لتشمل الجرائم الرقمية المرتبطة بالانتخابات، حيث عاقب بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات كل من قام بأي عمل تدليسي أو تلاعب إلكتروني في مكاتب التصويت أو الإحصاء أو في أي مرحلة من مراحل العملية الانتخابية باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية، في انسجام مع واقع جديد أصبحت فيه التقنية جزءًا من العملية السياسية ووسيلة محتملة للتأثير والتلاعب.

بهذه المقتضيات، يسعى المشرع المغربي إلى ترسيخ ثقافة انتخابية جديدة تقوم على الشفافية والمسؤولية، وتعزز الثقة في المؤسسات وتعيد الاعتبار للممارسة السياسية كوسيلة نبيلة لخدمة الصالح العام.

ومع اقتراب موعد انتخابات 2026، يبدو أن المغرب يتجه نحو مرحلة أكثر صرامة في مراقبة السلوك الانتخابي وضبط التجاوزات، في إطار مقاربة شمولية تعكس نضج التجربة الديمقراطية الوطنية وتؤكد أن الطريق إلى ديمقراطية متينة يمر عبر احترام القانون وتقديس صوت المواطن.

آخر الأخبار