قبل انتخابات 2026.. قرارات العزل تتسارع داخل الجماعات الترابية بالمغرب
تتسارع وتيرة قرارات العزل داخل الجماعات الترابية بالمغرب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، في مشهد يعكس دينامية رقابية متصاعدة من قبل السلطات الإدارية والقضائية، تروم فرض احترام القانون وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة في تدبير الشأن المحلي.
هذا المسار الذي بات يطبع المرحلة الراهنة يأتي في سياق وطني موسوم بإعادة ترتيب البيت الداخلي للأحزاب السياسية وضبط الممارسة الانتدابية على ضوء القانون، استعدادًا لمرحلة انتخابية جديدة.
أحدث حلقات هذه السلسلة من القرارات شهدتها المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، التي قضت بعزل ستة أعضاء من حزب التقدم والاشتراكية بجماعة أحلاف التابعة لإقليم بنسليمان، بعد ثبوت تصويتهم ضد مرشحة حزبهم خلال عملية انتخاب رئيس المجلس الجماعي.
وجاء القرار القضائي استجابة لملتمس رسمي تقدم به الحزب نفسه، معتبرًا سلوك الأعضاء المعنيين خرقًا واضحًا للانضباط الحزبي وتمردًا على قرارات القيادة.
وقد أقدم الأمين العام للحزب محمد نبيل بنعبد الله على مباشرة مسطرة العزل وفق القوانين التنظيمية، في خطوة تؤكد تشدد الحزب مع حالات العصيان الداخلي التي تمس بصفائه التنظيمي ووحدته الانتخابية.
عملية التصويت التي فجرت الخلاف الحزبي تعود إلى الأسابيع الماضية، حين تم انتخاب رئيس جديد لجماعة أحلاف خلفًا للرئيسة السابقة المعزولة شيماء زايد، المنتمية إلى الحزب ذاته.
وقد أسفرت نتائج التصويت عن فوز مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار، عادل الطبيطبي، برئاسة المجلس بعد حصوله على عشرة أصوات، رغم أن حزب التقدم والاشتراكية كان يمتلك أغلبية عددية داخل المجلس بـاثني عشر مستشارًا، مقابل أربعة فقط لحزب الأحرار.
وجاء القرار الأخير بعد أسابيع قليلة من حكم مماثل أصدرته المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في شتنبر الماضي، قضى بعزل الرئيسة السابقة لجماعة أحلاف، شيماء زايد، من مهامها ومن عضوية المجلس، بناء على طلب من عامل إقليم بنسليمان مدعوم بتقرير مفصل من المفتشية العامة لوزارة الداخلية.
وقد كشفت التحقيقات حينها عن وجود اختلالات وصفت بالجسيمة في مجالات التدبير الإداري والمالي، خصوصًا في ما يتعلق بتدبير الموارد البشرية والصفقات العمومية والماء الصالح للشرب، وهي اختلالات اعتبرتها المحكمة إخلالًا خطيرًا بالقوانين والأنظمة يمس بمصالح الساكنة وبالسير العادي للمرفق العمومي.
وتعد جماعة أحلاف من أكثر الجماعات التي شهدت خلال السنوات الأخيرة قرارات متكررة بالعزل، حيث باتت هذه الحالة الرابعة من نوعها داخل المجلس نفسه، ما يعكس حجم التوترات السياسية والتنظيمية التي يعيشها التدبير المحلي بالمنطقة.
ولم تتوقف قرارات العزل عند حدود جماعة أحلاف وحدها، بل امتدت إلى جماعات مجاورة داخل إقليم بنسليمان، فقد باشر عامل الإقليم مؤخرًا مسطرة استفسار رئيسة جماعة الفضالات وعدد من المستشارين، بينهم الرئيس السابق، بخصوص شبهات تتعلق بتضارب المصالح واختلالات في التسيير، وهي ملفات تمت إحالتها على المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، ما يرجح إمكانية صدور قرارات عزل جديدة خلال الأسابيع المقبلة.
في السياق نفسه، أصدرت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء خلال غشت الماضي حكمًا نهائيًا يقضي بعزل بوشعيب طه، رئيس جماعة بوسكورة بإقليم النواصر، إلى جانب ثلاثة مستشارين وسبعة موظفين جماعيين، مع التنفيذ المعجل للقرار.
وقد جاءت هذه الأحكام بعد تحقيقات رقابية كشفت تجاوزات وصفت بالخطيرة، أبرزها التلاعب بمحاضر رسمية ومنح تراخيص بناء خارج الإطار القانوني، بالإضافة إلى اختلالات في تدبير الصفقات العمومية وتبديد محتمل للمال العام.
هذا التتابع في قرارات العزل يوحي بمرحلة جديدة من الحزم المؤسسي في مراقبة تدبير الشأن المحلي، حيث لم تعد المساءلة مقتصرة على التقارير الإدارية، بل صارت تأخذ منحى قضائيًا صارمًا يربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبينما تتواصل موجة العزل والعقوبات داخل عدد من الجماعات الترابية، تبرز تساؤلات عميقة حول مدى استعداد الأحزاب السياسية لتجديد نخبها المحلية وتأهيلها لاحترام القانون والالتزام بالمصلحة العامة، في وقت لم يعد فيه التساهل مع مظاهر الفساد أو التسيب خيارًا مطروحًا.